بابٌ لم يُخْلَقْ بعدُ
في البدءِ، كانتِ الأشياءُ معلَّقةً بين المعنى واسمِه،
لا تهتدي إلى أيِّ الجهاتِ تنتمي،
ولا بأيِّ فمٍ يليقُ بها أن تنطقَ.
كان الزرنيخُ يمشِّطُ شعرَ الجاذبيةِ،
وكانتِ المراكبُ، بعنادٍ لا يليقُ إلا بالمستحيلِ،
تُبحرُ في ثقوبِ الإبرِ،
فيما الظلُّ، وقد سئمَ مرافقةَ صاحبِه،
ينزعُه كما يُنزَعُ معطفٌ عتيقٌ،
ويمضي وحيدًا
ليبتاعَ حفنةً من الأرقِ المعلَّبِ.
وكان القمرُ رغيفَ خبزٍ يابسًا،
تقضمُه فئرانُ المجرّاتِ على مهلٍ،
كأنَّ الليلَ مجاعةٌ كونيّةٌ
لا يُشبعُها الضوءُ.
وكانتِ الأشجارُ أصابعَ الأرضِ الممدودةَ،
تحاولُ أن تدغدغَ خاصرةَ العدمِ،
أن تنتزعَ منه التفاتةً وحيدةً،
أو ضحكةً على غفلةٍ،
أو اعترافًا عابرًا
بأنَّ للحياةِ، رغم كلِّ شيءٍ،
أظافرَ خضراءَ.
أمّا اللغةُ،
فلم تكنْ سوى سمكةٍ تطيرُ بجناحَي خفّاشٍ،
تتقلّبُ في هواءِ المعنى،
وتنطقُ بملحِ الكلماتِ
قبل أن تُولَدَ الكلماتُ،
كأنَّ الكلامَ نفسَه
كان رحمًا أعمى
يتهيّأُ للمعجزةِ.
وذاتَ ريحٍ شاردةٍ،
أمسكتُ الريحَ من أذنِها الصغرى،
وسألتُها:
لماذا تسرقينَ عطرَ الموتى؟
فضحكتْ
حتى تساقطتْ أسنانُها الرمليةُ،
وتحوّلتِ الجدرانُ، من فرطِ ضحكتِها،
إلى مناديلَ ورقيّةٍ تبكي
على أطلالِ المربّعِ،
وعلى هندسةٍ قديمةٍ
فقدتْ يقينَها،
ثم جلستْ في زاويةِ الغبارِ
تندبُ زواياها الأربعَ.
ومنذُ ذلك الحينِ،
لم أعدْ أسألُ البوصلةَ عن جهةِ القلبِ؛
فالبوصلةُ كانت غارقةً
في فنجانِ قهوةٍ باردٍ،
تدورُ بكسلٍ في قاعِه
مثل ذاكرةٍ نسيتْ صاحبَها.
والقلبُ
لم يكنْ أكثرَ من ساعةِ حائطٍ خفيّةٍ،
تدقُّ في جوفِ حبّةِ جوزٍ،
بلا جدارٍ يحملُها،
ولا زمنٍ تشيرُ إليه،
ولا أذنٍ تُصغي
إلى ذلك الخفقانِ الصغيرِ
وهو يتهجّى خرابَه بإخلاصٍ.
وحين رفعتُ رأسي،
رأيتُ خيولًا من بخارٍ
تجرُّ خلفها عربةً مثقلةً
بضحكاتِ الأطفالِ المحنّطةِ،
ورأيتُ الصمتَ
وقد نبتتْ له أنيابٌ من عسلٍ،
يعضُّ برفقٍ،
ويفترسُ على مهلٍ،
ويتركُ في الروحِ
جرحًا لامعًا
لا ينزفُ.
ورأيتُ الشمسَ
تتدلّى من سقفِ الكونِ
كبيضةٍ مسلوقةٍ
في زيتِ النسيانِ،
ويخبو نورُها قليلًا قليلًا،
كأنَّ النهارَ نفسَه
ينطفئُ في مقلاةِ الغيابِ.
عندها فقط
أدركتُ أنّنا لسنا هنا
كما نظنُّ.
لسنا سوى أفكارٍ عابرةٍ
تراودُ عقلَ تمثالٍ من زبدٍ،
يمشي على ماءٍ من رصاصٍ،
ويبحثُ، منذ الأزلِ،
بخطواتٍ لا تتركُ أثرًا،
عن مفتاحٍ وحيدٍ
لبابٍ
لم يُخْلَقْ بعدُ.
عاشور مرواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .