ثَمَّةَ أشياءُ لا تُقاسُ بحجمِها،
بل بما تُشعِلُه فينا من دهشة.
هذا النصُّ محاولةٌ للإصغاء إلى المعنى
حين يختبئُ في أصغرِ الأشياء،
وإلى السماءِ
حين تعبرُ من ثُقبٍ
وتستقرُّ في عين.
** الثُّقبُ الذي نَسِيَ أن يكونَ صغيرًا **
** بقلم: عاشور مرواني **
في البدءِ
لم تكنِ الإبرةُ تفكّرُ في الخيط،
كانتْ مجرّدَ إصبعٍ معدنيٍّ
يشيرُ إلى خللٍ
في ثوبِ الوجود.
ثم جاء الثُّقبُ،
لا كفجوةٍ،
بل كفكرةٍ ضاقتْ
فاستدارت.
ومنذ ذلك الحين
صار العالمُ كلُّه
يحاولُ أن يتذكّر
كيف يمكنُ للفراغِ
أن يكونَ أكثرَ امتلاءً
من الحجر.
أنحني عليه،
لا لأنّي صغيرٌ،
بل لأنَّ الرؤيةَ
لها هيئةُ الانكسار.
أضعُ عيني فيه،
فتقعُ السماءُ من علوِّها
مثلَ ثمرةٍ
نضجتْ فجأةً
في رأسِ الضوء.
أرى السمواتِ
وهي تطوي أجنحتَها
كي تدخلَ من فتحةٍ
لا تكفي حتى
لعبورِ نملةٍ من شكّ.
وأضحكُ:
كم كانتِ المجرّاتُ متكبّرةً
حين ظنّتْ
أنّها تحتاجُ كلَّ هذا الاتساع
لكي تُرى.
الكلُّ؟
مجرّدُ حيوانٍ بريٍّ
ينامُ داخلَ الجزء.
والجزءُ؟
سكينٌ من شفافيّةٍ
يشقُّ بطنَ المعنى
ويُخرجُ منه
قطعَ برقٍ دافئة.
لهذا
حين تبكي العينُ
لا أسألُ: مَن أحزنها؟
بل أسألُ:
أيُّ برقٍ
لم يجدْ سماءً تكفيه
فاختبأَ في الماء؟
الدمعةُ ليستْ سائلةً كما نظنُّ،
إنّها سماءٌ
تخلّتْ عن كبريائِها
كي تمرَّ
على خدِّ إنسان.
والعينُ ليستْ عضوًا،
إنّها كائنٌ
كلّما ضاقَ منفذُه
اتّسعَ خرابُهُ الجميل.
أنظرُ من الثُّقب،
فأرى ما لا يُحتملُ:
الريحَ وهي تتدرّبُ
على أن تصيرَ همسةً،
والبحرَ وهو يختصرُ نفسَه
في طعمِ الملح،
والنارَ وهي تجمعُ شظاياها
لتدخلَ عودَ ثقاب،
واللهفةَ
وهي تنامُ كقطةٍ مضيئةٍ
في زاويةِ قلب.
أيُّ معماريٍّ هذا
الذي بنى الأكوانَ
على طريقةِ الأسرار:
واجهةٌ هائلة،
ومدخلٌ لا يُرى؟
أنا، منذ رأيتُ ذلك،
لم أعُد أصدّقُ الأحجام.
الكبيرُ قناعٌ،
والصغيرُ اعتراف.
الأبوابُ الواسعةُ
تليقُ بالضجيج،
أمّا المعاني العظمى
فتفضّلُ أن تدخلَ
مثلَ لصوصٍ من نورٍ
من شقوقِنا الدقيقة.
لهذا
لا أريدُ من العالمِ
مزيدًا من النوافذ.
يكفيني ثُقبٌ واحدٌ
أطلُّ منه
على ما لا يُطلُّ عليه أحد.
في النهايةِ
لم أفهمِ الإبرةَ،
لكنّي فهمتُ شيئًا أخطرَ:
أنَّ الكون
ليس ما نراه كبيرًا،
بل ما ينجحُ
في الاختباء كاملًا
داخلَ ما لا نكادُ نراه.
وأنَّ الثُّقبَ،
حين يُخلِصُ لفكرتِه،
يصيرُ بابًا
تدخلُ منه
الدهشةُ حفاةً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .