الاثنين، 9 مارس 2026

العشر الأواخر بطيبة بقلم الراقي السيد عبد الملك شاهين

 العشر الأواخر بطيبة


أَمِنْ ذِكْرِ عَهْدٍ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَزَلْ

يُهَيِّجُ قَلْبًا مُسْتَهامًا بِمَسْجِدِ


وَوَقْفِي بِأَكْنَافِ الرَّوَابِي كَأَنَّنِي

عَلَى أَثَرٍ دَارِسِ الرَّسْمِ مُرْصِدِ


أُقَلِّبُ طَرْفِي فِي الْمَعَالِمِ خَاشِعًا

وَأَسْتَنْطِقُ الأَحْجَارَ بَعْدَ التَّبَدُّدِ


فَمَا زَالَ فِي طَيْبَةَ لِلشَّوْقِ لَوْعَةٌ

تَشُبُّ بِقَلْبِي كَاشْتِعَالِ الْمُوَقَّدِ


هُنَالِكَ أَيَّامٌ تَوَلَّيْنَ سُرَّعًا

وَلَكِنَّ آثَارَ الْخُشُوعِ لَمْ تَخْمُدِ


لَيَالٍ إِذَا مَا اللَّيْلُ مَدَّ رِوَاقَهُ

رَأَيْتَ وُجُوهَ الْقَائِمِينَ كَفَرْقَدِ


إِذَا انْهَلَّ دَمْعُ التَّائِبِينَ تَفَتَّحَتْ

مَغَانِي الرِّضَا فِي الْقَلْبِ بَعْدَ التَّجَلُّدِ


وَإِنِّي لَقَدْ أَبْصَرْتُ فِي الْعَشْرِ مَوْسِمًا

يُقَوِّمُ عَوْجَ النَّفْسِ بَعْدَ التَّمَرُّدِ


هِيَ الْعَشْرُ، لَا عَشْرٌ سِوَاهَا إِذَا انْجَلَتْ

تَبَيَّنْتَ فِيهَا غَايَةَ الْمُتَعَبِّدِ


إِذَا أَقْبَلَتْ هَبَّتْ قُلُوبٌ لِرَبِّهَا

هُبُوبَ جِيَادِ الْحَرْبِ يَوْمَ التَّجَرُّدِ


وَقَامُوا إِلَى الرَّحْمَنِ فِي اللَّيْلِ خُشَّعًا

قِيَامَ أُلِي الْبَأْسِ الشِّدَادِ الصَّيَاصِدِ


كَأَنَّ لَهُمْ فِي كُلِّ سَجْدَةِ مَهْرَبًا

مِنَ الذَّنْبِ أَوْ بَابًا إِلَى كُلِّ مَقْصِدِ


يُرَتِّلُهُ قَوْمٌ فَتَبْكِي صُدُورُهُمْ

وَيَخْشَعُ حَتَّى الْحَجْرُ فِي الْمَسْجِدِ


وَتَهْجَعُ عَيْنُ الْمُتْرَفِينَ، وَإِنَّمَا

عُيُونُ أُولِي التَّقْوَى أَحَقُّ بِسُهَّدِ


أُولَئِكَ قَوْمٌ أَدْرَكُوا السِّرَّ فَارْتَقَوْا

إِلَى مَنْهَلٍ عَذْبِ الْمَوَارِدِ أَوْرَدِ


رَأَوْا أَنَّ دُنْيَا الْمَرْءِ ظِلٌّ مُعَارَةٌ

فَلَمْ يَغْتَرِرْ مِنْهُمْ لَبِيبٌ بِمَرْصَدِ


وَأَنَّ اللَّيَالِي الْعَشْرَ غُنْمٌ، فَمَنْ يَكُنْ

بَصِيرًا يَبِتْ فِيهَا كَرِيمَ التَّعَبُّدِ


فَفِيهَا لَيَالٍ لَوْ يُقَسَّمُ فَضْلُهَا

عَلَى الدَّهْرِ أَغْنَى الدَّهْرَ عَنْ كُلِّ مَوْعِدِ


وَفِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي فَاقَ ذِكْرُهَا

ذُرَى النُّجْمِ وَاسْتَعْلَتْ عَلَى كُلِّ مَشْهَدِ


هِيَ اللَّيْلَةُ الْغَرَّاءُ، مَا مِثْلُ نُورِهَا

إِذَا انْحَدَرَتْ فِي الأَرْضِ أَرْوَاحُ سُؤْدَدِ


تَنَزَّلُ فِيهَا الرُّوحُ وَالْمَلَكُ الَّذِي

يُسَلِّمُ بِالأَمْنِ الْمُهَيَّمِنِ فِي الْغَدِ


وَحَتَّى مَطَالِعِ فَجْرِهَا كُلُّ سَاعَةٍ

تُفِيضُ سَلَامًا فِي الْوُجُوهِ وَفِي الْيَدِ


فَيَا رَبَّ، هَذِي لَيْلَةٌ جَلَّ قَدْرُهَا

فَهَبْنَا بِهَا عَفْوًا وَحُسْنَ التَّعَبُّدِ


وَخُذْ بِيَدِ الْمَكْسُورِ نَحْوَ نَجَاتِهِ

وَجُدْ عَلَى ذِي الزَّلَّةِ الْمُتَرَدِّدِ


وَلَا تَكِلَنَا لِلنَّفْسِ، فَالنَّفْسُ إِنَّهَا

إِذَا أُمِنَتْ أَرْدَتْ إِلَى كُلِّ مُفْسِدِ


وَإِنَّا ضُعَافٌ، لَا نُطِيقُ بِأَنْفُسٍ

وَلَكِنَّنَا نَقْوَى بِرُكْنِ الْمُوَحِّدِ


وَفِي طَيْبَةَ الْغَرَّاءِ لِلرُّوحِ سَكْنَةٌ

تُطَهِّرُ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ كُلِّ مُعْتَدِ


إِذَا مَا دَنَوْنَا مِنْ ثَرَى الْمُصْطَفَى انْجَلَى

عَنِ الْقَلْبِ مَا يَلْقَاهُ مِنْ كُلِّ مُنْكِدِ


هُنَالِكَ فِي الرَّوْضَاتِ يَصْفُو تَذَلُّلِي

وَيَخْضَرُّ غُصْنُ الرُّوحِ بَعْدَ التَّوَقُّدِ


وَفِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِلْعَيْنِ بَهْجَةٌ

وَلِلصَّدْرِ أَنْسٌ لَا يُحَدُّ بِمَحْدِدِ


إِذَا قِيلَ: هَذَا مَوْضِعُ السَّلَامِ، هَاجَتْ

مِنَ الشَّوْقِ أَرْجَاءُ الْفُؤَادِ الْمُهَنَّدِ


سَلَامٌ عَلَى طَهَ الَّذِي نُورُ وَجْهِهِ

أَنَارَ الدُّجَى لِلْمُهْتَدِينَ كَفَرْقَدِ


سَلَامٌ عَلَى مَنْ خَفَّفَ اللَّهُ بِاسْمِهِ

عَنِ الْخَلْقِ أَثْقَالَ الْهَوَى وَالتَّنَكُّدِ


سَلَامٌ عَلَى مَنْ عَلَّمَ الْقَلْبَ أَنَّهُ

يَرُومُ الْعُلَا بِالصِّدْقِ لَا بِالتَّزَيُّدِ


هُنَالِكَ تَمْضِي الْعَشْرُ فِي خَيْرِ مُقَامَةٍ

وَمَا خَابَ فِيهَا صَادِقُ الْقَصْدِ وَالْقَصْدِ


تَرَى النَّاسَ أَصْنَافًا: فَهَذَا مُرَتِّلٌ

وَهَذَا مُنَاجٍ، وَامْرُؤٌ فِي التَّهَجُّدِ


وَهَذَا أَتَى يَرْجُو الْقَبُولَ بِدَمْعَةٍ

وَذَاكَ أَتَى يَبْكِي ذُنُوبًا لَمْ تُعَدِّ


فَيَا حُسْنَ مَا فِي الْعَشْرِ مِنْ نَفَحَاتِهِ

إِذَا اخْتَلَطَتْ بِالْحُزْنِ رِقَّةُ مُجْتَهِدِ


وَيَا حُسْنَ مَا فِي طَيْبَةَ الْخَيْرِ إِذْ غَدَتْ

لِكُلِّ غَرِيبِ الرُّوحِ أَهْلًا وَمَقْعَدِ


أُبِيتُ وَفِي سَمْعِي صَدَى الْقُرْآنِ سَارِيًا

كَجَرْسِ سُيُوفِ الْحَرْبِ فِي يَوْمِ مَشْهَدِ


وَفِي الصَّدْرِ مِنْ تَرْدَادِ آيَاتِهِ هُدًى

يُقَوِّمُ مَا اعْوَجَّ اسْتِقَامَةَ مُرْشِدِ


فَمَا الْمَجْدُ إِلَّا أَنْ تَبِيتَ مُهَذَّبًا

وَلَا الْفَوْزُ إِلَّا أَنْ تَفُوزَ بِمَعْبَدِ


وَلَا الْعِزُّ إِلَّا أَنْ تُذِلَّ جَبِينَكَ الْـ

عَزِيزَ لِرَبٍّ وَاحِدٍ غَيْرِ مُلْحِدِ


إِذَا أَصْبَحَتْ نَفْسُ الْفَتَى فِي انْقِيَادِهَا

لِرَبِّ السَّمَاوَاتِ اسْتَقَامَتْ لِمَقْصِدِ


وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ يَرْكَبْ مَطِيَّةً

تُبَلِّغُهُ مِنْ بَعْدِ عُسْرٍ إِلَى الرَّشَدِ


وَمَنْ يَتَّخِذْ لَيْلَ الْعِبَادَةِ عُدَّةً

يَجِدْ صُبْحَهُ مِعْوَانَ صِدْقٍ وَمَوْرِدِ


فَلِلَّهِ قَوْمٌ قَدْ أَقَامُوا لِيَالِيًا

كَأَنَّ عَلَى أَكْتَافِهِمْ حِمْلَ مَجْهَدِ


تُرَاهُمْ إِذَا نَادَى الْمُنَادِي إِلَى الْهُدَى

أَشَدَّ قِيَامًا مِنْ رِمَاحٍ بِفِرْنَدِ


أُولَئِكَ لَا تَثْنِيهِمُ الرَّاحُ إِنْ دَعَتْ

وَلَا تَسْتَزِلُّ الْعَيْنَ رِقَّةُ مَرْقَدِ


لَهُمْ فِي دُجَى الأَسْحَارِ وَرْدٌ مُقَدَّسٌ

يَفُوحُ كَرَيْحَانِ الرُّبَى الْمُتَنَدِّدِ


وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ الشَّرِيفَةِ رَجْفَةٌ

تُذِيبُ جُمُودَ الْقَلْبِ غَيْرَ الْمُمَهَّدِ


كَأَنَّ سَمَاءَ اللَّهِ فِيهَا قَرِيبَةٌ

وَأَنَّ دُعَاءَ الْمَرْءِ أَدْنَى لِمَصْعَدِ


فَيَا فَوْزَ مَنْ وَافَاهَا الْقَلْبُ صَادِقًا

وَلَمْ يَلْهُ عَنْهَا بِالأَمَانِيِّ وَالْعَهْدِ


وَيَا خَيْبَةَ الْمَغْبُونِ إِنْ مَرَّ فَضْلُهَا

وَلَمْ يَغْتَنِمْ مِنْهَا بِنُصْحٍ وَمَقْصِدِ


أَتَنْقَضِي الْعَشْرُ الْكِرَامُ سَرِيعَةً

كَطَيْفٍ تَرَاءَى لِلْعُيُونِ وَغَيَّدِ


فَيَبْقَى لَنَا مِنْهَا اشْتِيَاقٌ وَعَبْرَةٌ

وَأَثَرٌ كَنَقْشِ السَّيْفِ فِي حَدِّ مِبْرَدِ


وَيَبْقَى نَدَى الْقُرْآنِ فِي الرُّوحِ نَاضِرًا

كَبَقْيَةِ غَيْثٍ فِي الْمَرَابِعِ بَعْدَدِ


وَنَرْجُو مِنَ الرَّحْمَنِ خِتْمًا مُبَارَكًا

وَعَفْوًا عَنِ الْعَثْرَاتِ غَيْرَ مُنَكِّدِ


فَيَا رَبَّ، هَبْ لِي فِي الْمَدِينَةِ تَوْبَةً

نَقِيَّةَ سِرٍّ، صَافِيَاتِ الْمَوَارِدِ


وَهَبْ لِي لِسَانًا صَادِقًا وَجَنَانَنَا

إِذَا زَاغَ عَنْ دَرْبِ النَّجَاةِ بِمَرْشَدِ


وَخُذْ مِنْ شَتَاتِ النَّفْسِ نَفْسًا جَمَعْتَهَا

عَلَى ذِكْرِكَ الأَعْلَى بِعَقْدٍ مُؤَكَّدِ


وَاجْعَلْ لَنَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ رَحْمَةً

تُبَدِّلُ مَا قَدْ كَانَ مِنْ كُلِّ مَفْسَدِ


وَإِنْ كُنْتُ ذَا ذَنْبٍ فَعَفْوُكَ وَاسِعٌ

وَمَنْ لِي سِوَاكَ الْيَوْمَ فِي كُلِّ مَشْهَدِ


أَنَا الْعَبْدُ، لَا حَوْلِي يُقِيمُ عِثَارَتِي

وَلَا قُوَّتِي، إِلَّا بِرُكْنِكَ الأَمْجَدِ


فَإِنْ قُبِلَتْ هَذِي الدُّمُوعُ فَإِنَّهَا

جَوَاهِرُ قَلْبٍ صَاغَهُ طُولُ مَعْبَدِ


وَإِنْ رُدَّ مِنِّي الْقَوْلُ، فَالشَّوْقُ شَاهِدٌ

بِأَنِّي أَتَيْتُ الْبَابَ غَيْرَ مُعَانِدِ


فَهَذِي مُعَلَّقَةُ اللَّيَالِي، وَإِنَّهَا

صَدَى رُوحِ وَالِهَةٍ، وَوَجْدِ مُوَحِّدِ


تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُقَامَ بِطَيْبَةٍ

إِذَا صَادَفَ الْعَشْرَ الشَّرِيفَةَ مَقْصِدِي


هُوَ الْفَوْزُ، لَا مَا يَدَّعِي النَّاسُ مَجْدَهُمْ

مِنَ الْمَالِ أَوْ جَاهٍ أَوِ الْمُلْكِ الْمُمَدَّدِ


فَخَيْرُ الْمَقَامَاتِ الْمَقَامُ بِطَاعَةٍ

وَخَيْرُ اللَّيَالِي مَا أُضِيءَ بِمَسْجِدِ


وَخَيْرُ الْمُنَى أَنْ يَخْتِمَ اللَّهُ عُمْرَنَا

عَلَى حَسَنَاتٍ وَالْفُؤَادُ بِأَحْمَدِ



السيد عبدالملك شاهين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .