الخميس، 16 أبريل 2026

احترقت من البرودة بقلم الراقي د.سمير الخطيب

 🔥 احترقتْ من البرودة


"احترقتُ من البرودة".


هكذا قالت الأمُّ وهي تُقلّب الجمرة الأخيرة في الموقد المُطفأ، كأنها تبحث عن بقية عُمرٍ لم تنطفئ بعد. كانت الحرب في الخارج تأكل المدينة كما يأكل السُّوس خشبة نعشٍ قديم، وكان الصبيُّ — ابنها الوحيد — مستلقياً على الحصيرة، عيناه مفتوحتان على السقف، كأنه يعدّ الشقوق ليعرف كم من الشظايا ستمرّ منها الليلة إلى قلبه.


ـ يا أُمّاه... لماذا لا نحترق مع الذين يحترقون؟


لم تُجب. كيف تقول لطفلٍ في السابعة إنّ الحرب لا تختار ضحاياها، بل تأخذهم كما يأخذ البحر حصيات الشاطئ، دون أن يسأل أيّها أجمل وأيّها أقدم؟ كيف تفسّر له أنّ الرجل الذي قرّر من وراء طاولته الدافئة أن يُشعل هذه النار، لن يحرق إلا أصابع غيره؟


في الخارج، دويٌّ. في الداخل، صمتٌ أثقل من الدوي.


نظرت الأمُّ إلى يديها المتشقّقتين، فرأت فيهما خريطة بلدٍ لم يعد موجوداً. تذكّرت يوم زفافها، يوم كانت النار في الشموع فقط، وفي القلوب فقط. الآن، النار في كل مكان... إلا في قلبها.


"غريبٌ" — همست لنفسها — "أنّ كلَّ شيءٍ يحترق بالحرارة، وأنا وحدي... احترقتُ من البرودة."


البرودة التي زحفت إليها حين رأت جارتها تحمل ابنها الصغير بلا رأس. البرودة التي استقرّت في عظامها حين وقّع السادة البعيدون على ورقة، فتحوّل حيّها إلى مقبرة. البرودة التي لا تُطفئها شمسٌ، ولا يُذيبها ربيع.


اقترب الصبيُّ منها، وضع رأسه الصغير على حِجرها، وقال بصوتٍ لا يليق بعمره:


ـ "أنا خائفٌ يا أُمّي... ولكنّي لستُ نادماً أنّي وُلِدت."


ارتجفت. لأول مرةٍ منذ شهور، ارتجفت. كأنّ في كلمة الطفل هذه جمرةً صغيرة، أعادت إلى جسدها شيئاً من معنى الحياة. وتساءلت — في تلك اللحظة العابرة التي يختلط فيها الإيمان بالشكّ، ويسكن فيها الله في دمعة — : لماذا يُولَد الأبرياء ليدفعوا ثمن خطايا لم يرتكبوها؟ ولماذا يُحاسَب الحَمَل عن ذنب الذئب؟


ثمّ، قبل أن يأتي الجواب، جاءت القذيفة.


في الصباح، حين دخل الجنود إلى ما تبقّى من البيت، لم يجدوا شيئاً يستحقّ الذكر في تقاريرهم. امرأةٌ وطفلٌ، متعانقان تحت الرُّكام. قال أحدهم — وهو يُشعل سيجارةً بلامبالاةٍ مكتسبة — :


ـ "على الأقل، ماتا دافئَين."


ابتسم الآخر ابتسامةً باردة.


ولم يعلم أحدٌ منهم أنّ الأمَّ كانت قد احترقتْ من البرودة قبل أن يأتي اللهب.


بقلم: سمير الخطيب - أفكار وخواطر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .