السبت، 4 أبريل 2026

انحناء المسير بقلم الراقي طاهر عرابي

 "انحناء المسير"


قصيدة نثر فلسفية


طاهر عرابي – دريسدن | 05.04.2026


للأرض صدى… وللهواء نحيب،

والمسير عبادة بلا اتجاه،

نحمل فيها أنفسنا أوراقًا تخفي الروح،

ونبتهج حين يقترب الغريب،

ظلٌّ متلوٍ بين جدراننا،

نسمع الحذر بلا يقين، ونرى اليقين يهرب.


كل ما حولنا يتنكر،

وعروق بنفسجية تتسلل فوق طحالبنا،

نلمسها كأنها وعد،

مرايا من ضباب تهيم خلف جدران متحركة،

ينهار الجدار ليصبح اللون نسيجًا يلتف حولنا،

والعنكبوت يبحث عن لونٍ لا نعرف له اسمًا.


نتنكر ونعشق رتابة المدن البعيدة،

ونحب رائحة شوارعها،

نساءٌ تعبر الهواء بخفة،

ونشتهي تلك الخطوات… خلف أرقٍ منسي،

ولا نسأل كيف صار الرصيف معطّرًا،

ونمضي متسولين بأحذية ذهبية،

وخلف قماش يستر كل شيء، يؤرقنا.


نشعر أن لدينا من الحلفاء ما يكفي

لمرور ألف بلاء،

وكلها ملوّنة برماد أصابعنا المحترقة.

هل نحن خلف سياج يتحرك؟

أم في أزقة فوق السحاب؟


بين الشدة والبهجة يرتفع المسير إلى الوهم،

نذكره حين تضيق بنا الطرق،

وننكره حين تتسع… فنضيع فيه،

ولا يقبل بنا.


صوتٌ يتردد: “جناه…”

والفهمُ منسي.


من يخرج من الحفرة؟

يودعنا أفضل وداع بين العمق وبين السماء.

لم يسقط بها سهواً،

بل دُفع إليها حين نُسي الوفاء.


الذل من الأسياد يسبق الوقوع،

يرسخ فينا… كأنه لم يغادر،

ويبقى بعد النهوض… وما أصعب أن تمشي بعدها،

كأن قدميك لا تعرف الطريق.


وصوت السياط لا يدركه الفناء،

تحتمي بالغبار وزحف الأفاعي،

يا لفحيح يظن أنه صوت الخلاص.


الحقيقة لا تنقسم،

حتى بينك والوهم،

في كل جزءٍ… شكٌ كامل،

يتشظّى في العيون،

ويكشف عمق الضياع.


حتى الوسط ليس وعيًا،

بل ضباب الحقيقة،

والانتماء يلتصق بنا،

فصله يشبه تمزيق طحالب عن جلدٍ حي.

نصفق للعبث على الحواف،

وحين نقترب… نختلف كأننا لم نلتقِ.


نمضي، ربما يسعفنا الحظ،

ونهلك على عتبات البحار،

مشردين، وبيدينا مصباح العطف،

شعله يلمع بين أكوام الزبد.


ما الفرق بين الجائع في وطنه

والشبعان في الغربة؟

سوى العدل المهزوم.


لم تكن غريبًا… وصرت غريبًا.


ما أبشع أن تقف في الصف الخطأ،

حين يناديك الصواب… ويتهمك.


تتلفت مثل شراع سارِيه،

وتسأل إن كنت تبحر أم فوق جبل.

حين تضيع الخطوة، يصبح الغيم طريقًا.


سياج يلحق بنا،

وطريق يكاد ينحني تحت ثقل الهموم.

لا تقاطع لصفارات الإنذار،

ونحن نردد:

لسنا عابرين ولسنا ماكثين.


نتنفس بغلاصم الحيرة في الهواء الطلق،

شيءٌ ما يفتقدنا…

كأننا لم نغادره أبدًا.


هل يتغنى الصيف بجوده على الورد،

وينتقم لنا من رائحة الطحالب،

أم سيشغلنا حتى نحسد حبّ القمح في منقار العصفور…

بينما مات رغيفنا في التنور؟


نارٌ بين الأصابع،

وفمٌ مكسور.


يا صحوة الخطوة،

احذري…

أن ينحني بنا المسير،

فنصير دهاليز

تفضي إلى حافة القهر.


دريسدن – طاهر عرابي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .