"مواسم من رماد المعنى"
لم أكن أجهلُ أنكِ ستجيئين
من جهةٍ تُشبه النبوءات
مُكلَّلةً بصمتٍ
يُشبه دعاءً تائهًا في كفِّ الغياب
تحملين للوقتِ ملامحَ نجاةٍ
وللأرضِ شيئًا من ارتباك الندى...
كنتُ أراكِ
في انكسار الضوء
حين يتعثّر الفجر
بخطى الليل الثقيلة
وأسمع وقعكِ
في ارتجاف الحلم
وهو يجرُّ أذيال عمرٍ
تعب من الانتظار...
ها أنتِ تأتين
لكن الفصول تغيّرت
والربيعُ
لم يعُد يثقُ بحدائقه
والشمسُ
تخرجُ خجلى
كأنها تعتذرُ للبردِ
عن دفءٍ لم يكتمل...
أنا الذي انتظرتكِ
على حافة الولادة
في زمنٍ
كانت فيه الأرواحُ
تتبادلُ وجوهَها
كي تنجو من موتٍ متكرّر
وكنتُ أعدُّ نبضي
كمن يعدُّ خساراته
في سوقِ الفجيعة...
خيولي التي أطلقتُها
نحو الجهاتِ البعيدة
عادت مثخنةً بالعدم
تحملُ فوق ظهورها
غبارَ الحلمِ
وأشلاءَ أغنياتٍ
لم تجد حنجرةً لتولد...
وأحلامي...
كانت تلتفُّ حولي
كأفاعي المعنى
تلدغني كلما صدّقتُها
ثم تنامُ في حقول العمر
كأنها لم تكن
سوى سرابٍ
يتمرّن على الخديعة...
الأرضُ هنا
لم تعُد أرضًا
بل فمًا مفتوحًا
يبتلع المواسم
والمطرُ
صار فكرةً مؤجّلة
في رأس غيمةٍ عقيمة...
هزيلةٌ هي الأزمنة
حين تُقاسُ بأعمارنا
وواهنةٌ تلك الأمنيات
وهي تُعلَّقُ
على مشانق الغد...
رأيتُ الحياة
تخرجُ من جسدها
كروحٍ خائفة
وتتركُ خلفها
أصداءَ ضحكٍ
تحوّل إلى نشيجٍ
في ذاكرة الأماكن...
كلُّ شيءٍ
كان يتقشّرُ ببطء:
الوجوه
الأحلام
حتى المعاني
صارت ترتدي أقنعةَ الفراغ...
وفي المساء
كانت الأشباحُ
تتدرّبُ على التجوال
تعبرُ الحقولَ المهجورة
وتنادي على حياةٍ
أضاعت عنوانها...
أما الجرح __
فلم يعُد جرحًا
بل وطنًا يتّسع
تنعقُ في سمائه
غربانُ الأسئلة
وتنهمرُ فيه
دموعٌ
لا تعترفُ بها الحقيقة...
وهكذا
انتهى كلُّ شيء
دون أن ينتهي
وتاهت الطرقاتُ
في خرائط الزمن
وصار الإبحارُ
ذكرى
لسفنٍ
لم تتعلّم كيف تنجو...
_زيان معيلبي (أبو أيوب الزياني) الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .