الأحد، 5 أبريل 2026

بعد أن ينطفئ نور الحياة بقلم الراقي مقبول عزالدين

 بعد أن ينطفئ نور الحياة في الجسد، تتلاشى الأصوات والألوان تدريجيًا، وتغدو الروح وحيدة في فضاء صامت لا يعرفه أحد، مكان تتماهى فيه اللحظات الماضية مع المستقبل المجهول. كل فكرة، كل شعور، وكل قرار عاشه الإنسان يطفو أمامه، كمرآة تعكس ما كان وما أصبح، وكأن الحياة نفسها تتكرر في وعيه الأخير.

الزمن هنا يتلاشى، ليس بمعنى أنه يختفي، بل لأنه يصبح بلا معنى؛ الماضي حاضر، والحاضر الماضي، والمستقبل مجرد صدى بعيد. وفي هذا الصمت، تدرك الروح أن كل قلق وكل رغبة وكل حب كان جزءًا من تجربة قصيرة، أنها لم تكن سوى لحظة عابرة في مجرة لا تعرف الرحمة ولا الانتظار.

الموت ليس مجرد نهاية للجسد، بل مواجهة الحقيقة المطلقة، حيث الفناء والحقيقة يتحدان في صمت مطلق، صمت يفتقد إليه كل من عرف الحياة، صمت يفهمه من يتجاوز حدود الإدراك، ويكتشف أن كل ما اعتقدناه ثابتًا، كان مجرد وهج عابر.

كل شيء يعود إلى حيث بدأ، إلى فراغ لم يعرفه الإنسان قط، إلى ذلك الصمت الأبدي الذي يحضن الجميع بلا استثناء، الموت...

الإنسان يعيش يومًا، ويظن أن الحياة أبدية، يضحك، ويخطط، ويأمل، وكأن الزمن ملكٌ له. يمر اليوم، ثم الشهر، ثم السنة، فيغفل عن أن كل لحظة تمرّ به تقربه من النهاية الحتمية. يومه قصير، وسنه يمضي سريعًا، وكل خطوة يخطوها تقوده إلى ما لا مفر منه. والموت… هذا الغائب الحاضر، الذي لا يُرى إلا في أثر الأيام التي مضت، ينتظر الجميع بلا تمييز، بلا تأجيل.

الإنسان يعيش مع خوف دائم، خوف لا يراه أحد، خوف يختبئ خلف الضحكات والاختراعات، وراء الخطط والطموحات، خلف كل يوم يظنه طويلًا، كل سنة يظنها أبدية. إنه الخوف من الموت، الذي لا يعرف الإنسان موعده، ولا يستطيع الهرب منه، ولا يجد ملجأً يحميه من مفاجئته. قلبه يلهث، وعقله يرفض تصديق الحقيقة، لكنه يعرف في أعماقه أن لا مهرب، وأن كل خطوة يخطوها هي نحو ما لا يمكن التراجع عنه.

تذكر قامات التاريخ وعظامهم التي ذهبت مع الريح: عاد، وتمود، وفرعون، وكلهم ماتوا، ولو كانوا أعظم الناس قوةً أو جبروتًا، لم تنجهم قوة الأرض ولا المال ولا السلطان. قوتهم لم تنقذهم، مالهم لم يحميهم، عروشهم لم تصمد أمام يد الموت. وكلنا سنكون مثلهم، عاجزين أمام النهاية، مهما علا شأننا أو امتلكنا من سلطان.

الخوف من الموت ليس مجرد فكرة، بل شعور يلتصق بالروح، يزرع الرهبة في كل نفس، ويجعل الإنسان يسأل نفسه: هل أنا مستعد؟ هل قضيت حياتي بما يستحق؟ أم أنني أضعت الوقت في وهم الأمان، في وهم الخلود، في وهم السيطرة على ما لا يملك أحد السيطرة عليه؟ وحتى أولئك الذين يهربون من التفكير بالموت، تظل لحظاته الصامتة تلاحقهم: الليل حين يسكن، اللحظة حين تتوقف، الصمت حين يخيّم. كل شيء يذكّرهم بأن الحياة قصيرة، وأن الموت حقيقي، وأن الخوف منه طبيعي، لأنه صوت العقل والروح اللذين يصرخان: "سترحل، وستترك كل شيء خلفك، وستصبح مجرد ذكرى".


الإنسان منذ ولادته، وحتى قبل أن يرى النور، مكتوب له أن يموت. كل لحظة من عمره، كل ساعة، كل يوم، كل شهر، وكل سنة، محددة مسبقًا في دفتر الحياة الإلهي. وحتى لو عاش قرنًا كاملًا، سيأتي الوقت الذي لا مهرب منه، الوقت الذي يغلق فيه باب الحياة، ويودع فيه الأرض والنور والهواء وكل ما عرفه.

الموت لا يفرق بين غني وفقير، بين قوي وضعيف، بين حاكم أو محكوم. من كان طاغيًا وجبروته تمتد إلى أقاصي الأرض، مات، ومن ملك المال والنفوذ، مات. قادة الأمم الذين اعتقدوا أن القوة تدوم، وأصحاب العروش الذين زينت لهم الحياة كل وسائل العظمة، جميعهم رحلوا. أيت قوم عاد وتمود، أين أصبح فرعون، أين هامان، أين أصحاب الكبرياء الذين تحدوا الزمن والمصير؟ الكل اختفى، الكل أصبح ذكرى في كتاب الحياة، والكل بيد الله سبحانه وتعالى، يومئذٍ سيحاسب كل واحدٍ على ما قدم.

الحياة فانية، والزمن يمضي، لا يبقى شيء على حاله. كل لحظة تمر تذكرنا بأننا عابرون، وأن الأمل في الخلود الأرضي مجرد سراب. نحن نولد ونكبر، نحب ونعاني، نضحك ونبكي، وكل شيء يمر كما يمر النسيم بين أصابعنا. إن الإنسان مهما اعتقد أنه قوي، مهما جمع ثروة، مهما امتلك السلطة، فإن الموت لا يرحم، لا يتأخر ولا يتقدم، يأتي في موعده، ويأخذ الجميع سواء.

فليكن في قلب كل إنسان إدراك أن الحياة مجرد رحلة قصيرة، صفحة عابرة في زمن لا يرحم، وأن كل شيء ينتهي في النهاية: الجمال يذبل، القوة تزول، المال يفرّ، والعظمة تصبح ذكرى. فالحكمة أن نعيشها ونحن واعون بالفناء، نزرع الخير، نحب بصدق، ونترك أثرًا لا يمحى في القلوب قبل أن تأتي ساعة الحساب.

الموت هو الحقيقة الوحيدة التي تتساوى عندها جميع القامات، العظماء والصغار، الملوك والعبيد، المؤمنون والكافرين، فهو النهاية الحتمية لكل شيء، يومئذٍ لله وحده القرار، ويعلم كل شيء، وما الحياة إلا فانية، وما نحن إلا مسافرون على طريق لا يدوم.

وفي النهاية، يبقى الخوف مرافقًا، يربت على كتف الإنسان، يحذره، يدفعه للتفكير، للحياة بوعي، للحب بصدق، للعمل بخير. فهو، رغم رهبته، يذكّر الإنسان بأن الحياة ليست أبدية، وأن كل لحظة نعيشها هي فرصة لنترك أثرًا قبل أن نغادر، وأن نصنع معنى قبل أن يسرقنا الوقت والموت.

د.مقبول عزالدين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .