الأحد، 5 أبريل 2026

مرايا لا تكذب بقلم الرقي د.محمد شعوفي

 مرايا لا تكذب:

وقفاتٌ مع الذات على أعتاب الفراق.


في صمتِ الليالي، حين تخبو ضجة العالم، تقفُ المرايا وحيدةً في زوايا الذاكرة.

لا تحكي ما نُريد سماعه، بل تعكسُ ما أخفاه الصمتُ عنا طويلاً.

هنا، على عتبةِ فراقٍ لم يكن يوماً مفاجأةً، أبدأُ رحلةَ مواجهةٍ لا تهربُ من الألم، بل تتعانقُ معه لتُخرجَ منه معنى.

لم أكتب هذا النص لأروي حكاية فراقٍ عابرة، ولا لأستحضر وجعاً مضى وطواه الزمن.

بل كتبتُ لأقف أمام نفسي وقفة صدقٍ لا مواربة فيها، وأفتّش في أعماقي عمّا تعاميتُ عنه طويلاً.

أكتب لأنني أدركتُ –متأخراً– أن أكثر ما نخشاه في الحقيقة ليس الفقد، بل اكتشاف دورنا الخفي في صناعته.

وأن أقسى المواجهات هي تلك التي نخوضها مع ذواتنا حين تسقط عنها فجأة أقنعة التبرير.

كم خدعتُ نفسي طويلاً، وظللتُ أردّد على مسامعي تلك الأسطورة القديمة التي تُبرّئ الإنسان وتحمّل الزمن وحده وزر ما يتصدّع في العلاقات.

كنت أظن، كما يظن كثيرون، أن الأيام هي من تُذبل المودة، وأن قسوة الدهر كافية لتمزيق أصفى ما يكون بين النفوس من روابط.

لكنني الآن، بعد أن أرهقني أسلوب المراوغة، أعترف بملء اليقين: كنا نكذب على أنفسنا كذباً مُريحاً، نُلفّق الأعذار للأقدار، ونتوارى خلفها كمن لا ذنب له.

وكأنَّ المسافة التي نمت بيننا كالنبات السام لم تكن يوماً من صُنعنا، ولم تنبت من بذورٍ زرعناها نحن بأيدينا في لحظات الغفلة.

إن الحياة، في صمتها العميق، بريئة تماماً من كل هذه التهم.

هي ليست سوى مرآة صادقة تعكس ما نصنعه، ومسرحٌ نكتب عليه فصول حكاياتنا بأفعالنا لا بأمانينا.

وقد أدركتُ، بعد طول تأمل، أن الفراق لا يولد أبداً من رحم الزمن، بل يتكوّن في عتمة نفوسنا حين نسمح للسموم أن تتسرّب إليها في صمت.

إنه يبدأ كفكرةٍ صغيرة لا نلقي لها بالاً، ثم يتغذى على الإهمال حتى يصير قطيعةً تعجز كل محاولات الترميم عن إصلاحها.

لقد رأيت الفراق يتشكّل في خبثٍ يتسلل في الخفاء، يقلب المحبة جفاءً دون أن نشعر.

ورأيته في نفاقٍ يتوشّح برداء الود، وفي جوفه ما يجرح ويكسر.

وفي خيانةٍ تنكث العهود، فتترك في الصدور شروخاً غائرة لا تجبرها الاعتذارات المتأخرة.

وأدركت أن أخطر ما في الفراق أنه لا يأتي كعاصفةٍ مفاجئة، بل يتسلل كالنمل ونحن غارقون في وهم أننا بخير.

وقفتُ أمام نفسي بأسئلةٍ موجعة لم أكن أملك شجاعة طرحها من قبل:

هل كنتُ صادقاً حقاً مع من أحببت؟

أم أنني كنت أحب فكرة أن أكون محبوباً فقط؟

كم من مرة أطلقتُ الكلمات كالسهام دون أن أبالي بمواضع إصابتها؟

وكم من لحظةٍ غفلتُ فيها عن جراح الآخر لأن عينيّ كانتا منشغلتين بمرآتي الخاصة؟

هناك، في عُمق تلك المواجهة، انكشف لي وجه الأنانية الحقيقي.

تلك الأنانية التي جعلتني أسيراً لذاتي، لا أرى إلا انعكاس صورتي، فأصمت عن آلام القريبين مني، وأغفل عن احتياجاتهم، وأمضي في وهمي كأن الحب حقّ مكتسب لا يحتاج إلى سقاية أو رعاية.

وحينها فهمت أن الأنانية ليست مجرد طباع، بل هي بداية منحدرٍ ينتهي دوماً بقطيعةٍ لا ينفع معها الندم.

كما خبرتُ أن غياب الاحترام هو أسرع السموم فتكاً بالروابط؛ فهو لا يدمّرها بصخب، بل يهدمها بصمتٍ بارد، يحوّل الكلمات البسيطة إلى طعنات، والحديث العابر إلى ندوبٍ لا تندمل.

وكم من علاقةٍ جميلة انهارت لا بسبب خلافٍ جوهري، بل لأن أحد الطرفين نسي أن الاحترام ليس ترفاً عاطفياً، بل هو الأكسجين الذي تتنفس به المودة.

ومع ذلك، فإنني أدرك اليوم أن العلاقات مساحات مشتركة، لا تُبنى بجهد طرفٍ واحد ولا تُهدم بتقصيره منفرداً.

إنها مسؤولية تقع على عاتق الاثنين معاً، وحين يسقط الوعي من أحدهما، يبدأ البناء بالانهيار.

لقد تبيّن لي أن الفراق لم يكن قدراً محتوماً في أغلب الأحيان، بل كان سلسلة اختياراتٍ صغيرة تراكمت دون وعي: سوء فهمٍ لم يُعالج في حينه.

وجفوةٍ تركت لتكبر ولم تُداوَ.

وصمتٍ كان يجب أن يُكسر بالحديث، حتى صار القريب غريباً، وتحول الحضور الدافئ إلى مجرد ذكرى عابرة.

وهنا بلغتُ يقيناً لم يعد يقبل الشك: إن الروابط الإنسانية لا تذبل إلا حين نسقيها نحن بماء الجفاء، ونحن من نحفر الشروخ بيننا بسياط القسوة في لحظات الغضب، وبسكاكين الغدر التي نغرسها أحياناً دون أن ندرك ثقلها.

وفي المقابل، حين يصفو القلب، وتستقيم النية، ويصدق الفعل، يتحوّل الزمن مهما قسا إلى قوةٍ خفية تشد أزر المحبة، وتزيدها رسوخاً.

فالصدق يصنع جسوراً لا تهتز، والوفاء يحفظ ما تفرّقه المسافات، والكلمة الطيبة قادرة دوماً على إحياء ما كاد أن يموت.

ومن هنا، وجدتُ نفسي مدعواً إلى مراجعةٍ صادقة قبل أن أُدين أحداً أو ألقي باللوم على الظروف.

تساءلت في خلوتي: كم من علاقةٍ ماتت لأنني أهملتُ ريّها؟

وكم من محبةٍ بردت لأنني نسيتُ أن أدفئها بكلمة أو لفتة؟

إنه لأمرٌ مرعب أن أعترف بأنني قد أكون القاتل الصامت لأجمل ما في حياتي، لكنه اعترافٌ لا بد منه، لأنه البوابة الوحيدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في القادم من الأيام.

إنني لا أكتب هذه الكلمات لأدين الحياة، فهي بريئة.

ولا لأرثي ما مضى، فالماضي قد مضى بآلامه وعبره.

بل لأوقظ في نفسي أولاً، ثم في قلب كل من يقرأ، وعياً جديداً يعيد ترتيب المعنى في ذواتنا.

وعياً يجعلنا أكثر انتباهاً لتفاصيل صغيرة تصنع الفرق الهائل بين بقاء العلاقة وانهيارها، وأكثر تواضعاً في مواجهة أخطائنا، وأكثر حرصاً على من نحب قبل فوات الأوان.

فما أجمل أن نكون أوفياء لما جمعنا، وما أصدق أن نكون حراساً لجسور المحبة لا معاول لهدمها.

وفي ختام هذه الرحلة الاستكشافية الصادقة في أغوار الذات، أرفع قلبي دعاءً: أن يبقى الحب بيني وبين من أحب جسراً لا ينكسر مهما اشتدت العواصف.

وأن يظل الوفاء نوراً يهديني حين تشتد العتمة.

وأن أتعلم كيف أحفظ من أحب من قسوة نفسي قبل قسوة الأيام.

فالحياة، في حقيقتها، فرصة قصيرة تمر كلمح البصر، ولا يليق بها إلا أن تُعاش بصدقٍ أعمق، ورحمةٍ أوسع، ووعيٍ أنقى.

وما أجمل أن نغادرها يوماً وقد تركنا خلفنا أثراً من محبةٍ لا يزول، وقد فهمنا الدرس الأعمق: أننا لسنا ضحايا للزمن، بل نحن المسؤولون عما نبنيه أو نهدمه.

وأن الفراق… ليس قدراً حتمياً دائماً، بل هو أحياناً غفلة، وأحياناً تقصير، وأحياناً أخرى… درسٌ قاسٍ لا يُفهم إلا بعد أن ندفع ثمنه كاملاً.

فلتكن المرايا، إذاً، بوابتنا لا سجننا، وليكن الفراق إن حدث، جرس إنذارٍ لا حكم إعدام، وليكن الوعي هو المرآة التي نعود إليها كل يوم، لنرى أنفسنا كما نحن، لا كما نتمنى أن نكون.

بقلم:

د. محمد شعوفي

05 أفريل 2026.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .