في محراب النور الأوّل: إلى رُؤية مرام
يا بياضًا هبط من ذاكرة العدم،
فاستحال طفلةً تمشي على ماء القلب،
وتترك في الجهات رجفةَ نورٍ
كأنّ الغيبَ لمّا ضاق بصمته
تجلّى في هيئة براءة.
أنتِ لستِ ابنةً بالمعنى الضيّق للغة،
ولا قرابةً يحدّها الاسم أو يحيط بها النسب،
أنتِ رؤيةُ المعنى حين ييبس الكلام،
ومرامُ الروح حين تتجسّد أنوارُها
في صورةٍ بشريةٍ صغيرة
تتّسع لها دهشةُ العالم.
أرى في عينيكِ خيولًا من ياسمين،
تركض في ممرّات حلمي القديم،
وتوقظ في داخلي طفولةً
كنتُ أظنّ أنّ السنين أوصدت أبوابها.
هناك، حيث الساعة تذوب
كقطعة سكرٍ في شاي الغيب،
وحيث الجدران، كلّما ناديتِني،
تنبت لها أجنحة
وتغادر صلابتَها إلى الحنان.
أنتِ المسافةُ التي تلاشت
بين "أنا" و"أنتِ"،
وخيطُ الضوء الذي يربط
سرّة الأرض بياقة السماء،
حتى لا يعود للفصل بين الأرواح
غيرُ وهمِ الأجساد.
يقولون: إنكِ جئتِ بعدي،
غير أنّ حدسي الفلسفيّ
يهمس في سريرتي:
أنتِ أصلُ الوجود الذي سبقني،
وأنا ما عرفتُ ملامحي حقًّا
حتى انعكستُ في مرآة براءتكِ الصارخة،
ولا أبصرتُ جوهري
حتى رأيتُه يمشي أمامي
في هيئة طفلة.
أنتِ السؤالُ الذي لا يفتّش عن جواب،
لأنّ وجودكِ نفسُه
هو الحقيقة المطلقة
في عالمٍ مُعلَّقٍ على الاحتمالات،
وأنتِ اليقينُ الجميل
الذي إذا ضحك
ارتبك الشكّ
واستراح القلب.
يا قرّة العين التي أبصرتُ بها غيبي،
يا رؤية القلب التي شقّت صمت العدم،
يا خمرةَ الله في كأس بيتي،
كلّما ضحكتِ
نبت في قلبي رصيفٌ للملائكة،
وأزهرت في روحي نوافذ
لم أكن أعلم أنّ للنور مفاتيحها.
فيكِ اجتمع الشتات،
وانطوى العالم الأكبرُ
في تلك الهيئة الصغيرة
التي لا تُدركها المقاييس.
فأنتِ النقطةُ التي تحت الباء،
وأنتِ الياءُ التي تنتهي عندها
جراحاتُ السنين،
وأنتِ السرُّ الذي إذا مرّ على القلب
أعاده إلى فطرته الأولى.
يا ابنتي...
كوني كالمعنى،
لا يحدّكِ شكل،
وكوني كالرّوح،
لا يسجنكِ جسد،
وكوني كالنور،
يعبر الأشياء
من غير أن يستأذنها.
أنتِ لستِ قطعةً مني،
بل أنتِ كلّي
حين يخرج من حدوده
ليتأمّل نفسه في صورة محبوبة،
وأنتِ الامتداد الذي لا يُشبه التكرار،
والحياةُ حين تتكرّم على القلب
بسببٍ جديدٍ للخشوع.
دمتِ لي حقيقةً سريالية،
ونورًا صوفيًّا،
وفلسفةً لا تُدرَك،
يا رُؤيةَ مرامي،
وآيةَ الرحمن في ملكوت قلبي.
إلى صغيرتي،
التي لم تأتِ إلى حياتي فقط،
بل جاءت لتمنحها معناها.
المحبّ أبداً: عاشور مرواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .