عسلٌ وجنونٌ وحكايةُ شاعر
كاتبٌ استطاع اختراقَ الصمت، وتجاوزَ صحراءِ الغربةِ في بلده، ونام في شوارعَ حارّةًٍ في مدنِ الغربةِ اللعينة.
بلدتُه القديمة تشوّهت معالمُها بين الحقد والضغينة، فلم يعد يعرفها فانتقل إلى صحراءٍ غريبة، بعيدةٍ عن أحلامه وذكرياته، فاحتضن منها شهيقَ الجهل المجنون، المرصّعَ بأرواحٍ هربت من خبل المفكّرين والعاقلين. قرأتُ له القليل، أو لعلّي لم أقرأ له شيئًا، ولكن قيل لي إنّه شاعر، أرهق إحساسَه الغربةُ، وروحُها، وبُعدُها عن الجسد، فعرف أنّ الجنون طريقٌ للمعرفة ولقاء الذات، فضاع بين الكلمات يصرخ بـ هذيان الروح:أنا شاعر.
ولأوّل مرّةٍ يتعرّف على نفسه وقلمه، فعرف أنّ الغربة طريقٌ البعيد وابتعاد القريب، وما بين الاثنين حكاياتٌ لا تستطيع البيوت الشعرية رسمَها، إلّا مجزّأة، خوفًا من أن تحرق بقيّة الكلمات.
عزف أنّ الجنون هو جسرُ الوصلِ السريع بين العقل والإحساس، فاختبأ متنكرًا بالذات، راكضًا بين الذكريات والواقع المرير، وصرخ في كل مكان:
أنا من أنا .
كان غموض كلماته أشدَّ وقعًا من قنابلِ الحرية والطغاة، ومن الباحثين عن لا شيء، سوى الموت ومرارة المعاناة. سقط من فوق حصانٍ بناه بالأحلام، وزيّنه بالهمزة والشدّة والفتحة، ولم يستطع قراءة ما كتب،
لأنّ ملك الموت كان ينتظر نهاية القصة، ولم ينتظر أن يُغلق الصفحة الأخيرة. ورغم ذلك،
امتدّ في بغداد،
وأبحر في نهر دجلة،
وفرش أجنحته أمام بوّابة القدس،
واشترى لعبَ أطفاله من سوق الحميدية،
وأكل التمر من المدينة،
ولم يصل إلى عدن، لأنّ القنّاص أطفأ عينيهً خوفًا من أن يرى امتداد الوطن.
سقط لأنّ الزمن تجمّد، ومات على أبراج روحه وتفكيره وأحلامه.
صعقتني فكرةُ الجنون التي حملها من حرفٍ إلى حرف، ومن كلمةٍ إلى كلمة، وعبر كل الحارات؛ جنونٌ يحمل في عينيه أنينَ وطنٍ جريح، وعذابَ الروح حين ترى أنّ الجسد لا يمثّلها، وأنّ الجسد لم يكن سوى حقيبة سفر لاختباء الروح قبل الأوان.
رحل… وترك لنا بابَ الجنون مفتوحًا، مرحبًا بكل الشعراء، ومن يحاول أن يكتب كلماتٍ مرتَبِكة وخائفة، وأن يغنّي للحقيقة مهما كان الثمن.
هاجر
وترك لنا عسلًا أشدَّ مرارةً من واقعٍ أحبّ الحياة فاختار الموت، في كل حارةٍ و شارع، وكأنّ يوم القيامة قد بدأ فعلًا دون حساب
ترك الجنون طريقًا للهروب إلى شاطئ الأمان، دون قاربٍ ودون نهرٍ ودون بحر، وأيّ أمان؟ وفي كل شارعٍ فارسٌ يحمل ألف سيف، ومن كل قبيلةٍ رجل منتخبٌ لقتل الرسول من جديد وبقيّة الأنبياء.
رحل…
وحمل معه ما تبقّى من الفرات، ونسي دجلة
في الصفحة الأولى من كتابه. كلماتٌ لها نبضُ بغداد،
وقلبُ وروحُ البصرة وكربلاء، وعينان تنظران بألم
إلى غياب الشمس والأمان، ونهايةُ حقبةِ الأم التي احتضنت أبناءها
بحبّ وحنان.
قال إن الشعراءُ عجينةٌ من كلماتٍ وأحاسيسَ وحروف، هربت وغادرت القواميس، ومن الصعب أن تعود إلى صفحاتٍ من ورقٍ
لا حياة فيها.
رحل الشاعر بقاربٍ من الجنون،ًوأبحر في نهرٍ من عسلٍ وخمرٍ ولبن، قيل إنّه دخل الجنّةً قبل الحساب والعذاب، لكنّه لم يصل، لأنّه سقط قبل الحاجز الأخير.
رحل… وفي شفتيه بسمة، وكأنّه يسخر من الذين بقوا يأكلون العسل من أفواه المجانين.
طلعت كنعان
كاتب وطبيب فلسطيني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .