السبت، 18 أبريل 2026

الباب الحديدي بقلم الراقي سمير الخطيب

 الباب الحديدي

بقلم: سمير الخطيب


في الساعة الحادية عشرة مساءً، كان أبو خالد يقف أمام باب بيته.


لم يكن يبحث عن مفتاحه. كان يتأمله.


سبعة أقفال. عدّها مرةً واحدة، ثم أعادها. سبعة. منذ متى؟ لا يذكر. كل عام يُضيف قفلاً، كما يُضيف الإنسان عاماً إلى عمره دون أن يشعر.


دخل. أغلق. أدار المفاتيح السبعة واحداً تلو الآخر، كأنه يؤدي طقساً.


جلس في صمت المطبخ. فنجان شاي لم يشربه. وفكرة لم يُكملها.


تذكّر جدّه. رجل عاش سبعين سنة وبابه قطعة قماش مشدودة بخيط. لم يُسرق منه شيء. لا لأن الناس كانوا أفضل بالضرورة، بل لأن الخيط كان يقول: *أنا لا أخافك.* والبشر، في الغالب، لا يسرقون من لا يخافهم.


فكّر: هل السبعة أقفال تحميه؟ أم تُخبر العالم بحجم خوفه؟


لم يجد إجابة. شرب الشاي بارداً. ونام.


ولكنه قبل أن يغمض عينيه، سمع صوتاً خافتاً في رأسه، صوت جدّه ربما، يقول بهدوء:


"الأمان يا بني... ليس ما تضعه خلفك. هو ما تحمله معك."


كانت ابنته سلمى تنتظر في المطبخ، تحتضن فنجان قهوتها بيدين كأنها تبحث عن دفء لا علاقة له بالقهوة.


قالت دون أن ترفع نظرها:

"أبي... طلب مني رامي الزواج."


جلس. لم يتكلم فوراً. هذا ما كان يميّزه، لا يملأ الصمت بكلام رخيص.


"وأنتِ؟"


"خائفة."


"من رامي؟"


"لا. من نفسي. من أن أثق فأُخطئ."


نظر إلى الباب. إلى الأقفال السبعة. ثم نظر إليها.


قال بهدوء غريب، كأنه يحدّث نفسه أكثر مما يحدّثها:


"أنا عندي سبعة أقفال على الباب يا سلمى. وأنتِ عندكِ سبعة أقفال على قلبك. والنتيجة واحدة... نحن في الداخل، والحياة في الخارج."


رفعت رأسها. أول مرة منذ جلس.


"إذن تقول أثق؟"


"أقول... الأمان الحقيقي ليس في الأقفال. لا على الأبواب ولا على القلوب. الأمان هو أن تعرفي من أنتِ، حتى لو أخطأتِ يوماً."


صمتت طويلاً.


ثم قالت بصوت أهدأ:

"وأنت؟ متى كانت آخر مرة نمت دون أن تحصي الأقفال؟"


لم يجب.


لأن الإجابة كانت تؤلم أكثر مما تريح.


خرج إلى الشارع. المرة الأولى منذ أسابيع يمشي بلا وجهة.


لاحظ شيئاً لم يلاحظه من قبل. كل بيت في الشارع له قضبان على النوافذ. كل باب له درع حديدي. الشارع بأكمله يبدو كسجن جميل، بأزهار على الشرفات وستائر بيضاء خلف القضبان.


توقف أمام البيت الوحيد الذي لا قضبان على نوافذه.


بيت العجوز أم سعيد. ثمانية وسبعون عاماً. تجلس كل صباح عند النافذة المفتوحة، تحيّي كل من يمر.


طرق بابها.


فتحت فوراً، كأنها كانت تنتظر.


"تفضل يا أبو خالد."


"كيف لا أقفال عندك يا أم سعيد؟"


ابتسمت. تلك الابتسامة التي يملكها فقط من عاشوا كثيراً وخافوا كثيراً ثم قرروا أن يتوقفوا عن الخوف.


"عندي يا بني. عندي قفل واحد."


"أين؟"


أشارت إلى صدرها.


"هنا. وهو الذي يفتح كل شيء سواه."


عاد أبو خالد إلى بيته.


نظر إلى الأقفال السبعة.


وللمرة الأولى في حياته، لم يُدِرها.


تركها مفتوحة ونام.


في الصباح، لم يكن قد سُرق شيء.


لكنه استيقظ وفي صدره شيء لم يشعر به منذ سنوات طويلة.


شيء يشبه... الأمان.


فجلس على حافة السرير، وأخذته رعشة غريبة.


كل تلك السنوات، كان هو من يسرق نفسه بأقفاله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .