الخميس، 9 أبريل 2026

صدبد جراح تسيل بجسد الأمة بقلم الراقية هيفاء البريجاوي

 صديد جراح تسيل بجسد الأمة

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، يظلّ صوتُ الإنسان المكلوم هو الأصدق، وإن خفتَ صداه تحت ركام الدخان. 

من لبنان، هذه البقعة التي كُتبت ملامحها بعرق الأجداد ونُحتت بصبر السنين، ترتفع رسالة لا إلى مدينةٍ بعينها، بل إلى عواصم العالم كافة؛ رسالةُ استغاثةٍ لا تطلب شفقة، بل تستنهض ضميرًا كاد أن يغفو تحت ثقل المصالح.


لبنان اليوم ليس مجرد أرضٍ تتقاذفها جماجم النيران ،بل ذاكرة حيّة تختنق تحت رمادٍ صنعته أيدي الحقد، فيما لا تزال معاول الشمس تحاول أن توقظ في وجوه أبنائه بقايا الضوء.المتعافي من ذاكرة تاريخ السلام .


حيث يمتزج التاريخ بالألم، تتراجع الإنسانية خطوةً بعد أخرى، وكأنها تُدان بصمتٍ لا يُدوَّن في سجلات العدالة.


أيها العالم، إن تحويل السلام إلى رماد ليس مجرد خطأٍ سياسي، بل جريمةٌ أخلاقية وقانونية بحق الإنسانية. 


إن الصمت أمام الألم، والحياد أمام الظلم، والامتثال غير المشروط لقوى الدمار، كلها أشكالٌ من التواطؤ الذي ينبغي أن يُجرَّم بوضوح، لا أن يُبرَّر تحت ذرائع السيادة أو تعقيدات المشهد الدولي.


إن ما نشهده ليس نزاعًا عابرًا، بل انتهاكٌ متكرر لقيمٍ يفترض أنها تشكّل جوهر القانون الدولي: كرامة الإنسان، حق الحياة، وحماية المدنيين، خصوصًا أولئك الذين لا صوت لهم الأطفال والشيوخ الذين يُكتب مستقبلهم بمداد الخوف بدلًا من الحلم. 


إن الألم هنا لا ينام، بل يمتدّ من ذاكرة الماضي إلى احتمالات الغد، مهددًا بفقدان جيلٍ كامل لإيمانه بالحياة.


ومع ذلك، تبقى الأمهات في قلب هذه المأساة صوتًا آخر؛ صوت الحياة الذي لم يستسلم. 


هنّ اللواتي يحملن ماء الورد في أيديهن، لا ليطفئن نار الحرب فحسب، بل ليُذكّرن العالم بأن السلام ليس شعارًا، بل فعلٌ يومي يبدأ من الاعتراف بإنسانية الآخر. 


متى يستيقظ العالم على هذا النداء؟ متى تتحول العواطف إلى مواقف، والبيانات إلى أفعال؟


إن المسؤولية اليوم لم تعد خيارًا، بل التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا. فإما أن يُعاد الاعتبار لمفهوم العدالة بوصفه حمايةً حقيقية للإنسان، أو أن يُترك التاريخ ليكتب، مرةً أخرى، فشلنا الجماعي في إنقاذ ما تبقّى من إنسانيتنا.


لبنان، رغم جراحه، لا يزال وترًا حيًا في ضمير العالم. والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل سيظلّ هذا الوتر يعزف وحده، أم أن العالم سيتعلم أخيرًا كيف يُنصت بذات وجع صديد يسيل بين شرايين جسد الأمة ؟!


شظايا الجراح 


يا صوتَ لُبنانَ الجريحِ تكلَّما

وابعثْ نداءَكَ للعواصمِ سلَّما


قُلْ للمدائنِ: هل سمعتم أنَّنا

نحيا رمادًا والحنينُ تهيَّما؟


نُبني على عَرَقِ الأُلى صرحَ المُنى

فتعودُ نارُ الحقدِ تهدمُ ما نُما


يا دولَ هذا الكونِ، هبّوا نجدةً

فالإنسُ فينا تحتَ رمادٍ أُظلِما


هذي الجبالُ حكايةٌ من مجدِنا

ومعاولُ الشمسِ العظيمةِ أنجُما


تحيا بذاكرةِ الأوتارِ أنغُمُنا

وتفيضُ في لحنِ القلوبِ ترنُّمَا


لمَ نحيلُ السلمَ نارَ ضغينةٍ

ونعيدُ تاريخَ الخرابِ مُحرَّمَا؟


الأرضُ تبكي شيوخَها وأطفالَها

والألمُ في صدرِ الزمانِ تخيَّما


ماضٍ ينوحُ على غدٍ في وجعهِ

حلمٌ يُطاردهُ الأسى فتأزَّما


متى تصحو الأمهاتُ بحبِّها

وتغيثُ جرحًا في الضلوعِ تكتَّما؟


ويفوحُ ماءُ الوردِ من كفّاتها

سلامُ روحٍ في الوجودِ تعمَّما


يا عالمًا نادى السلامُ بقلبِهِ

هل من مجيبٍ للنداءِ إذا حمى؟


لبنانُ يبقى رغم كلِّ جراحِهِ

وترًا يُقاومُ، في الحياةِ ترنما 


بقلم مجروح صوت حرفه 

أختكم هيفاء البريجاوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .