في النهاية... كلب!.
أذكر ذلك جيداً. كان ذلك بُعَيْدَ عزلي من سلك التعليم لأسباب سياسية؛ يوم كانت مرارة الظلم لا تزال تنخر روحي. أخذني أبي حينها إلى ضيعتنا، حيث كانت كلبتنا قد وضعت لتوّها جراءها.
وقف بي أمام تلك الكومة الصغيرة المتدافعة، وقال بصوت هادئ:
— اختر واحداً منها... اختر ما يروق لك لتربيه.
جلستُ على ركبتيّ مستغرقاً في تفحصها. أخذتُ وقتاً طويلاً وأنا أردد نظري بينها؛ أتردد بين الأنشط والأهدأ، أتأمل ألوانها وتلك النظرات الحائرة التي لم تفتح عيونها على العالم بعد. وبعد حيرة طويلة، وقع اختياري على أحدهم. رفعته ومددته إليه بكلتا يديّ، كمن ظفر بغنيمة.
ابتسم أبي ابتسامة خفيفة تكتنفها سكينة وقورة، ثم أخذ الصغير بين كفيه، تأمله للحظة وقال بنبرة هادئة:
— أخذت كل هذا الوقت لتختار... وفي نهاية المطاف، اخترتَ كلباً من بين الكلاب. أسود كان، أم أبيض، أم أرقط؛ لن يكون في النهاية إلا كلباً.
دون أن يضيف كلمة واحدة، أعاد الجرو برفق إلى جانب إخوته، ثم اعتدل في وقفته ومضى في طريقه بخطى وئيدة.
بقيتُ مكاني مذهولاً، عاجزاً عن النطق، أحدّق في تلك الكومة الدافئة من الأجساد الصغيرة. سقطت كل مقاييسي في لحظة.
وفجأة، بدا لي صمت الحقل مثقلاً بمعنى عميق، وسرت حكمة أبي الريفية في نفسي مجردةً من كل زخرف و من كل فلسفة زائفة واضحةً حدّ الدهشة سقط القناع: لقد وصلت الرسالة. سقط القناع عن اللعبة، ووصلت الرسالة.
بقلمي عبدالفتاح الط
ياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .