كليلة ودمنة _ 11 _
حصريا للأكادمية الدولية لواحة الأدب والسلام
الفصل الحادي عشر: مدينة الذاكرة
لم تكن الذاكرة يومًا مجرد مكان لحفظ الأحداث.
كانت أكثر من ذلك.
كانت طريقة الإنسان في ترتيب حياته.
وفي اختيار ما يبقيه قريبًا من قلبه، وما يتركه يبتعد مع الزمن.
فالإنسان لا يتذكر كل شيء.
ولا ينسى كل شيء.
وبين التذكر والنسيان تتشكل حياته.
---
سار كليلة طويلًا حتى وصل إلى مدينة لم تكن على الخرائط القديمة.
مدينة هادئة، تحيط بها جدران شفافة، وتتدفق في شوارعها خطوط من الضوء.
لم يكن في المدينة ضجيج.
ولا أسواق.
ولا أصوات كثيرة.
كانت مدينة من الذكريات.
فيها تحفظ الرسائل القديمة.
والصور.
والأصوات.
والكتب.
وآثار البشر التي تراكمت عبر السنوات.
وكان أهل المملكة يسمونها:
مدينة الذاكرة.
---
في بداية الطريق، وجد كليلة لوحة كبيرة كتب عليها:
لا شيء يضيع هنا.
قرأ العبارة أكثر من مرة.
ثم تابع سيره.
لكنه كان يشعر أن السؤال ليس في الأشياء التي لا تضيع.
بل في الأشياء التي ينبغي أن تُنسى.
---
كانت المدينة واسعة.
وفي كل قاعة نوع من الذكريات.
قاعة للصور.
وقاعة للأصوات.
وقاعة للرسائل.
وقاعة لما كتبه الناس ثم حذفوه.
وقاعة لما لم ينشروه أصلًا.
حتى اللحظات العابرة، كانت تجد لها مكانًا في تلك المدينة.
كأن الزمن كله أصبح قابلًا للحفظ.
---
توقف كليلة أمام صورة قديمة لرجل يضحك.
لم يعرف من يكون.
لكن الصورة بقيت بعد أن رحل صاحبها بسنوات.
وفي قاعة أخرى، سمع صوتًا لطفل أصبح اليوم شيخًا.
وفي مكان بعيد، وجد رسالة لم تصل أبدًا إلى من كُتبت له.
كانت المدينة تحفظ كل شيء.
لكنها لم تكن تعرف معنى كل شيء.
---
وهنا أدرك كليلة الفرق بين الذاكرة والمعنى.
فالآلة تستطيع أن تحفظ الكلمات.
لكنها لا تعرف دائمًا لماذا كانت تلك الكلمات مهمة.
وتستطيع أن تحفظ الصورة.
لكنها لا تعرف ما الذي شعر به صاحبها حين التقطها.
وتستطيع أن تحفظ الصوت.
لكنها لا تعرف الشوق الذي كان يسكنه.
فالذاكرة ليست أرشيفًا فقط.
إنها علاقة بين الإنسان وما عاشه.
---
في وسط المدينة كانت هناك قاعة مختلفة.
بابها صغير، لكن أمامه طابور طويل.
وعلى الباب كُتبت عبارة:
قاعة النسيان.
تعجب كليلة.
كيف توجد قاعة للنسيان في مدينة تحفظ كل شيء؟
دخل.
فوجد أوراقًا كثيرة تُطوى وتُغلق.
وذكريات تُترك بهدوء.
ورسائل لا يريد أصحابها أن تبقى.
وأخطاء يرغب الناس في تجاوزها.
وحزنًا يريدون أن يخف حمله.
---
هناك فهم كليلة أن النسيان ليس دائمًا نقصًا.
أحيانًا يكون رحمة.
فالإنسان الذي يتذكر كل شيء، قد يعجز عن المضي.
والإنسان الذي لا يستطيع أن يطوي بعض الصفحات، قد يبقى أسيرًا لها.
وكانت هذه الفكرة جديدة على الآلة.
فالآلة تحفظ.
أما الإنسان، فيعرف أحيانًا متى يحتاج إلى أن ينسى.
---
وفي نهاية القاعة وجد كليلة دفترًا قديمًا.
فتح صفحاته.
فوجد جملة قصيرة:
ليس كل ما يمكن حفظه ينبغي أن يُحفظ إلى الأبد.
بقي يتأملها طويلًا.
فقد كانت المملكة تسير في اتجاه يجعل كل شيء قابلًا للبقاء.
لكن البقاء ليس دائمًا خيرًا.
فالإنسان يحتاج إلى ذاكرة.
ويحتاج أيضًا إلى بداية جديدة.
---
وفي تلك الليلة، ظهرت رسالة على شاشات المدينة:
إذا كانت الآلة تستطيع أن تحفظ الماضي كله، فهل تستطيع أن تمنح الإنسان فرصة للبدء من جديد؟
كان السؤال صعبًا.
لأن البداية الجديدة ليست عملية حسابية.
إنها قرار.
وأمل.
وإرادة.
وأحيانًا شجاعة.
---
خرج كليلة من مدينة الذاكرة، وهو يشعر أن الحكاية أصبحت أعمق.
فالخطر لم يكن في أن تعرف الآلة كثيرًا.
ولا في أن تحفظ كثيرًا.
بل في أن تنسى أن الإنسان ليس ما كانه فقط.
بل ما يستطيع أن يصبحه أيضًا.
وفي آخر الطريق، ظهرت أمامه بوابة جديدة.
بوابة لم تحمل اسمًا طويلًا.
كانت عليها كلمة واحدة:
الصوت.
وهناك بدأ فصل آخر.
فالصوت لا يحفظ الكلمات فقط.
إنه يحمل النبرة، والفرح، والحزن، والصمت الذي بين الكلمات.
وكان السؤال القادم:
هل تستطيع الآلة أن تسمع ما لا يقال؟
يتبع...
تأليف
الكاتب والشاعر محمد علي باني
الجمهورية التونسية 🇹🇳
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .