رحلة في اللازمكان
بقلم أيمن حسن محمد
مارستُ رياضتي التأملية كعادتي. أغمضتُ عينيّ، وعطّلتُ حواسي، حتى شعرتُ أنني لم أعد في هذا العالم.
هاجر وعيي... فإذا بي في عالم آخر.
كانت هناك هيئات لا تشبهنا، وشعرتُ أنني مختلف عنهم. كانوا يتحدثون لغة غريبة، لكن حين كانوا يلقون عليّ السلام كنت أردّ عليهم، وأتحدث معهم، فأفهمهم ويفهمونني.
رأيتُ أناسًا أعرف بعضهم من وجوههم، لكنهم لم يكونوا هم أنفسهم في الحقيقة. كأنني أعرف وجوههم، ولا أعرف أرواحهم.
سرتُ في تلك الطبيعة، وكانت تبعث في النفس راحةً وسكينةً عجيبتين، حتى وصلتُ إلى نهر صافٍ. هناك رأيتُ شيخًا وقورًا، يرتدي عباءةً ناصعة البياض، ووجهه مستدير كالقمر. كان يضع قبعةً دائرية على رأسه، ويتدلّى الصليب من صدره. وكان يتعبّد؛ يتلو القرآن تارة، ويقرأ في الكتاب المقدس تارة أخرى، ثم يرتّل تراتيل تمجّد الله و يهلهل ويسبح و يقدس.
وكانت هناك فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، تداعب الأزهار أحيانًا، وتركض خلف الفراشات أحيانًا أخرى. وكانت تقف تحت شجرة تفاح.
ألقيتُ السلام على الشيخ المهاب، فردّ:
— وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قلت:سيدي هل أنت مسلم؟
— ابتسم و قال. وهل يوجد غير الإسلام دين؟ يا بني، كل الأنبياء جاؤوا بتوحيد واحد، ولكن اختلفت الصور لما اقتضاه الزمان. تغيّرت الصور، أما الحقيقة فواحدة.
هززتُ رأسي موافقًا، لكنني في الحقيقة لم أفهم شيئًا. شعرتُ أنه أدرك حيرتي، فسألني:
— ماذا تريد أن تعرف؟
قلت: أين نحن؟
— قال.: في عالم اللازمكان.
لم أفهم كلامه. قلت في نفسي: يا سلام! كل ما تحدثنا عنه من قبل لم أفهمه، فكيف سأفهم هذا؟
— فسألته: أهو حقيقة أم خيال؟
ابتسم وقال:
— إذا شئتَه حقيقةً فهو حقيقة، وإذا شئتَه خيالًا فهو خيال.
لقد دخل عقلي بالحائط!
وبينما كنت أحاول فهم كلامه، أقبلت نحونا الفتاة مبتسمة. أعطته تفاحة، ثم نظرت إليّ دون أن تكلّمني.
تساءلتُ في نفسي: لماذا لم تعطِني واحدة أنا أيضًا؟
لكن شيئًا غريبًا حدث...
رفرف قلبي. كانت هي... زوجتي.
لكنها كانت في التاسعة عشرة من عمرها، بينما كنت أنا في الخامسة والخمسين.
قلت للشيخ: سيدي، إنها زوجتي!
قال بهدوء: لا، ليست زوجتك
قلت: أقسم لك إنها هي.
قال: لا تحنث.
— ثم سألني: في عالمك الأرضي، هل هذه هي صورتها؟
— قلت: لا. زوجتي الآن في الثامنة والأربعين من عمرها، أما هذه الفتاة ففي التاسعة عشرة.
ضحك الشيخ وقال:
— إذن، من هذه؟ صمتّ!
ثم قلت: لا أعرف
انفجر الشيخ ضاحكًا، ثم قال:
— هذه زوجتك!
نظرتُ إليه مذهولًا وقلت:
— لكنك قلت قبل قليل إنها ليست زوجتي!
قال وهو يضحك:
— ألم أقل لك إن الصور تتغير؟
ثم سألني:
— هل تستطيع أن تتصور شجرة الفيل؟
قلت:نعم
— شجرة ذات جذع ضخم، وأوراق خضراء داكنة تشبه أذني الفيل، بحجم ثلاثة رجال أو أكثر. أزهارها وردية، وثمارها طويلة تشبه خرطوم الفيل، ويجلس تحتها ألف شخص.
ضحك الشيخ وقال:
— هل هذه الشجرة حقيقة أم وهم؟
—قلت: وهم، لا وجود لها في الحقيقة.
— قال: إذن، كيف استطاع عقلك أن يتخيلها؟
صمتُّ.
ثم قلت: لا أدري.
— قال: وكيف عرفتَ أنها وهم؟
— قلت: لأنها لا وجود لها في عالمي.
ابتسم الشيخ وقال:
— ومن قال إن عالمك هو العالم الوحيد؟
ثم أشار إلى الفتاة وقال:
— هل صورة زوجتك هذه موجودة الآن في عالمك؟
نظرتُ إليه ولم أجب.
ثم نظرتُ إلى الفتاة وقلت:
— هذه هي زوجتي، وزوجتي هي هذه.
قال الشيخ:
— أيهما تريد الآن؟ أأقبض روح زوجتك في الأرض، فتأخذ هذه معك؟ أم أجعل هذه الفتاة تذهب في حال سبيلها، وتعود أنت إلى زوجتك؟
— قلت: هل هذا عزرائيل أم مَن؟
— قال: ليس مهمًا مَن أنا. المهم: ماذا تختار؟
قلت دون تردد: أعود إلى زوجتي
ثم نظرتُ إلى الفتاة وقلت:
— هذه هي زوجتي، وزوجتي هي هذه. لا أدري كيف أشرح لك ذلك، لكن الأثر الذي أعطتني إياه زوجتي هو نفسه الأثر الذي أشعر به الآن.
سألني الشيخ:
— وهل الأثر حقيقة أم خيال؟
نظرتُ إلى الفتاة، ثم إلى النهر، ثم إلى الشيخ.
قلت:
— ربما حقيقة، وربما خيال، وربما كل شيء موجود في اللازمكان.
ثم سكتُّ قليلًا، قبل أن أسأله:
— سيدي، إذا كانت الصور تتغير، والأعمار تتغير، والأماكن تتغير، وحتى الزمن لا يسير كما نعرفه... فكيف أعرف أنني ما زلتُ أنا؟
نظر إليّ الشيخ طويلًا، ثم قال:
— لأنك تبحث عن نفسك في الصورة، بينما نفسك في الأثر.
—قلت: وما الأثر؟
ابتسم وقال:
— ما يبقى منك حين تتغير كل الأشياء التي ظننتَ أنها أنت.
بقيتُ صامتًا.
نظرتُ إلى الفتاة، وشعرتُ أنني لم أعد أراها بعينيّ، بل بشيء أعمق مني.
—ثم قلت: ربما نحن نسافر في الزمان، لكن لكل رحلة في الزمان مكانٌ تحطّ فيه راحلتنا، فنعيش فيه مغامرةً أخرى. وربما لا نستطيع العودة إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نُحيي أثرًا، ونُنشئ أثرًا آخر في مكانٍ آخر.
ثم سكتُّ.
وفجأة....انتبهتُ من أفكاري.
كانت زوجتي أمامي، تبتسم.
نظرتُ إليها طويلًا، ثم قلت:
— تلك الفتاة التي رأيتها... كانت فيها صورة شبابي. كانت تملك شيئًا جعلني أشعر بالقوة والفتوة.
عقدت حاجبيها وقالت بنبرة غيرة مازحة:
— ومن هي «ست الحسن» هذه؟
ابتسمتُ وقلت:أنتِ.
— قالت: رأيتني وأنا شابة؟
— قلت: نعم، كم كنتِ جميلة!
ضحكت وقالت:
— تلك صورة قديمة... والآن غيّر الله الحال. الله يرحم أيام زمان!
نظرتُ إليها وقلت:
— هكذا قال لي الشيخ.
فضحكت، ولم تعرف أيّ شيخ أقصد.
أما أنا، فبقيتُ صامتًا...
أنظر إليها، وأتساءل:
هل كنتُ في عالم اللازمكان فعلًا؟
أم أنني كنتُ أبحث عن أثرٍ قديم، فعاد إليّ في صورةٍ جديدة؟
ثم ابتسمتُ.
فقد أدركتُ أن الصورة قد تتغير، والزمن قد يمضي، والمكان قد يتبدل...
لكن بعض الآثار لا تعرف كيف تموت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .