قصة قصيرة نافذتان
بقلم أيمن حسن محمد سوريا
لم تكن تلك المطالعات والقراءات هادئة، بل كانت أمواجًا محمومة تسحبني إلى القاع أحيانًا، فأتيه بين الظلمات، وتارة ترفعني إلى الأعلى لتريني أملًا، وتأمرني أن أبحث عن نجاة ذاتي من الموروث الذي اعتقدته طويلًا، ثم اكتشفت أن تشوبه أفكار كجيفة نتنة، تفوح منها رائحة كريهة، تبعدني وتشوه صورة الوجود.
أسئلة تحوم في مخيلتي:
كيف؟ وكيف؟ وكيف؟
كيف سأجمع تلك الخيالات والأفكار؟ ما الحقيقة؟ من أنا في هذا الوجود؟ هل أنا موجود؟ وأبناء جنسي، أكلنا طاقات وقوى؟ هل كل شيء طاقة؟ ولماذا هذا الاستخفاف بالأنثى؟ تلك القوة المستقبلة والحاضنة للأفكار، أليست هي التي تستقبل المعاني وتحتضنها في رحمها الكوني، لتجسد معنى الإبداع؟
ألست أنا قوة الفعل، ومني تبدأ عملية الخلق، فأدفعها إلى الخارج لتتلقفها الأنثى في رحمها، وتهذبها وتنميها؟ ولولا هذا الانسجام بين هاتين القوتين، هل كان للوجود أن يكون؟
أصابني صداع، فأخذت حبة مسكن، وأطبقت جفنيّ رغمًا عني، كأن رسالة جاءت من السماء إليهما:
امنحاه السكينة والهدوء هذه الليلة.
استيقظت صباحًا على نقرات حبات المطر فوق زجاج النافذة. لم تكن موسيقاها عادية، بل كانت أسفينًا ينحت في قشرة عقلي، محاولًا إيقاظ شيء ما بداخلي.
بدأت الساعة تدق عقاربها إلى الخلف.
نهضت مثقلًا من تعب التفكير؛ كان أصعب من الأعمال الشاقة، حتى إنه صار يشعرني باليأس. التفت نحو المرآة لأرى وجهي المنسي، فشعرت أنني إنسان حجري، رسمت قسوة الوجود كلها أحفوراتها في جبهتي، تدل على العصر ما قبل الكمبري. كانت عيناي غائرتين، كأنهما بئر مهجورة لا ماء فيها، ومع ذلك ظلّتا تبحثان عن سر وجودهما.
توجهت إلى النافذة لأشاهد البعث الكوني والفيض السماوي.
فتحت النافذة.
فاندفعت رائحة التراب إلى أنفي. تلك الرائحة، حين استنشقتها، أخذت تتردد في أعماق نفسي:
﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾.
تبسمت نفسي:
ما أنت إلا قطعة من تراب.
قطع حبل تخاطري صرير نافذة تُفتح في الجهة المقابلة، نافذة موازية لنافذتي.
رفعت بصري.
رأيت تلك الأنثى، وكأنها حضرت من عالم الوجود الذكوري الذي تبحث عنه أنثاي. شعرت أنها ليست مجرد أنثى، بل تجلٍّ حضر بكامل أسلحته الفطرية.
كان شعرها متموجًا، يداعبه نسيم الهواء ويتطاير كسحاب الليل، متحديًا قطرات المطر. وعيناها تحملان عمق ذاتي، ويلف جسدها هالة من الغموض.
كانت تقف بثقة. مدت يدها، وبللتها بماء المطر، ثم مسحت وجهها، وكأنها تقول:
مستعدة لاستقبالك أيها المطر بكامل جسدي.
تسمّرت عيناي بعينيها.
كان تصادمًا أحدث رعدًا وبرقًا، وأحدث ضبابًا في عقلي. حتى خُيّل إليّ أن قطرات المطر المعلقة قد توقفت عن السقوط.
لم تكن تلك النظرات سوى جسر تعبر فوقه أفكاري العارية وتساؤلاتي.
من أنت؟ وكيف دخلت إلى أعماقي؟ ماذا فعلت بي؟
لقد جعلتني في فوضى، أبحث عن شيء لا أعرف ما هو.
كيف هو؟
هل أبحث عنك؟
لم تتكلم.
لكنها أرسلت إليّ طيفًا أثيريًا:
أنا السر الذي تبحث عنه بداخلك.
أنا الحياة، وأنا وسم الأحفورات التي في وجهك.
ومعًا نستطيع أن نعود إلى سيرتنا الأولى.
دككت حصون ذكورتك، وألقيت أسلحتك بلا قتال. ومن جمال عينيّ اخترقتك، واحتضنت الأنثى التي بداخلك.
أنا التي تبحث عنها في كل مكان.
لن تستطيع أن تخرج من طينتك العالقة بها إلا بي.
أنا التراب الذي شممت عبقه. وبدوني ستبقى عالقًا في التيه.
لا أحد ينقذك من الفوضى إلا أنا.
أنا القمر الذي يحوي النور ويعكسه.
شعرت في تلك اللحظة بشيء دافئ يسرني في داخلي.
لم تعد تلك الأحفورات التي في وجهي تزعجني. أدركت أن وجودي كله يسكن بين هاتين القوتين؛ قوة تفعل، وقوة تستقبل، وأن اكتمالهما في داخلي يعيدني إلى فطرتي الأولى.
كنت بحاجة إلى غموضها وسرها، إلى رحمها الرمزي الذي يحتضن المعنى، ويمنحه فرصة أن ينمو ويولد.
كانت المرآة التي أرى بها نفسي.
بدأت خيوط المطر تدور حول نفسها، ثم تبددت. انقشعت السحب، وأرسلت الشمس أول خيط ذهبي ارتطم بعينيها.
أغمضت عينيها.
ثم تبسمت في وجهي...
وأبقت النافذة مفتوحة.
الكاتب أيمن حسن محمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .