الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

فروسية الكلمة بقلم الراقي القصاد صالح حباسي

 فروسية الكلمة.. وشرف الأستاذية


الأستاذية في زماننا هذا هي مرتبة الفروسية، لها قواعد وأصول مثلما كان للفروسية قديماً؛ فالفروسية لم تكن يوماً لمجرد ركوب الخيل، بل كانت ترمز إلى الشجاعة، والنبل، والوفاء. وبالمثل، فإن الأستاذية ليست مجرد ممارسة مهنة التعليم،او ورقة مختومة، بل هي بلوغ مرتبة رفيعة من العلم، والحكمة، وحسن التربية، والقدرة على العطاء.


قد ننسى تفاصيل كثيرة مما حققه الفارس، لكننا لا يمكن أن ننسى الفارس نفسه، وكما قد ننسى دروساً حفظناها، لكن يستحيل أن ننسى أستاذاً ترك أثراً في حياتنا.


وكما كان هناك قديماً متطفلون، وطغاة، وقطاع طرق يحاولون التشبه بالفرسان فتكشفهم حقيقتهم وسجاياهم، فهناك اليوم كذلك بعض المتسلقين والرويبضة ممن يحاولون التشبه بالأساتذة، فيفتضح أمرهم في أبسط امتحان؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.


أصل الأستاذ الحقيقي هو العطاء وإثراء كل من حوله؛ فهو خلق ليغرس العلم والثقافة، ومنه تنبثق أنوار المعرفة أفقياً لتبحث عن أي مرآة ينعكس عليها النور فيستنير المحيط كله، فيصبح المصباح الواحد مصابيح عدة، يضيء كل منها مرسلاً الإضاءة لغيره، وحينها فقط نطلق على مصدر النور لقب "أستاذ".


في المقابل، هناك من يتمنى أن يعلو نوره، فتجده يوجهه عبثاً إلى السماء التي هي في غنى عنه وعن ضيائه، حتى محيطه القريب لا يرغب فيه ولا في وجوده بينهم، ومع هذا تجده يتشبث بلقب "الأستاذ"! وفي عالم الأستاذية الحقيقية، يُعد مثل هذا الشخص "رويبضة" متطفلاً؛ فلو بحثت في ماضيه أو في ما يدّعي أنه نور، لما وجدت له أثراً من علم أو ثقافة. إنه متسلق، حتى المحتوى الذي يعرضه قد يكون استولى عليه من غيره، ولهذا تجده دائماً خائفاً، شحيحاً بمعرفته المحدودة التي استحوذ عليها.


لقد عايشنا أمثلة لمن ادعى الأستاذية وأصبح ينشر نصوصاً من مصادر معلومة؛ نصوصاً أعجبتنا وولدَت فينا إلهاماً شجعنا على كتابة بعض الأشعار، وذلك بعد الثناء عليه وطلب الإذن منه. ولكن، وللأسف، حين رأى ما كتبناه ونال إعجاب الكرام، أخذته الغيرة، فأصبح يمنّ علينا بما نشر، بل واتهمنا بالسرقة!


هنا يطرح السؤال نفسه: هل مثل هذا يستحق لقب أستاذ؟


الأستاذ علم، وأخلاق، وتربية، وعطاء؛ الأستاذ منهل للعطاشى علماً وثقافة وفهماً. ولو كان أستاذاً حقاً وتعلم على يد أستاذ حقيقي، لما كانت هذه أخلاقه.


وتصدق في هذا مقولة العرب: "لا يذكر السفيه إلا بما فيه". إنه يتهم الناس بالسرقة لأنه هو في الأصل سارق، وهذا أصدق تفسير لتلك المقولة.


فروسية الكلمة.. وشرف الأستاذية


أُسـتـاذُنا فــارسٌ فــي سـاحـةِ الـشَّـرَفِ

كـالـبدرِ يـهـمي ضـيـاءً فــوقَ مـنـتصفِ


مــــا عــلَّــمَ الــحـرفَ إلَّا كـــانَ مـئـذنـةً

تـهـدي الـعـطاشى إلــى أنــوارِ مـعتكفِ


الأســتـاذُ لــيـسَ بـمـحـتالٍ ولا طــامِـعٍ

بــل مـنـهلٌ لـعـطاشى الـفـكرِ والـشَّـغَفِ


تـبـقـي الـخـيـولُ غــبـاراً فــي مـغـاربها

لــكــنَّ أثــــرَ الـمـعـلـمِ راســــخٌ بـكـتـفِ


وكـيـفَ يـنـسى ابــنُ طـيـنٍ مــن عـلّمهُ

رسمَ الحروفِ ونورَ النبضِ في الصَّدَفِ


وكـيـف يُـنـسى مــن أعـطـى بــلا أمــلٍ

وعـــاشَ يـغـرسُ نــوراً طـاهـرَ الـهـدفِ


لـــكـــنَّ بــالــسـاحِ أقـــوامــاً تــوارثــهـا

ثــوبُ الـلُّـقاطةِ مـن كـذبٍ ومـن صَـلَفِ


رويــبــضــةٌ رامَ مـــجـــداً لا يــخــصّـهُ

فـاقـدُ مــاءِ الـنـدى.. بـالـجهلِ مـتـصفِ


يـسطو على حرفِ غيرِ الناسِ من رِعنٍ

كـالـظلِّ يـزهـو.. ولـيسَ الـظلُّ ذا كـفِ!


لــو كـانَ يـدري سُـبيلَ الـعلمِ مـا بـهتَتْ

عــيـنُ الـلَّـئيمِ.. ولا وافــى بــلا شـغـفِ


تــــراهُ يــمــنُّ بــمـا لـــم يــجـنِ بــاذلـهُ

بـخـيلَ عـقـلٍ.. خـفـيَّ الـزيفِ والـخلفِ


إذا رأى الــــنــــورَ أضــــنــــاهُ تـــألّــقُــهُ

فـصارَ يـرمي ظـلامَ الـحقدِ فـي الـتَّلَفِ


اتــهـمَ الـشـرفاءَ بـالـسرقاتِ مــن سـفَـهٍ

فـالجاهلُ اليومَ لا يطري سوى الصَّلَفِ!


فــدعــهُ فـــي غــيّـهِ يــغـرقْ بـــلا أثـــرٍ

فـالـشمسُ سـاطـعةٌ.. والـنورُ لـم يَـحِفِ


بقلمي القصاد صالح حباسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

أماكن فيها روح بقلم الراقية نادية حسين

 "أماكن لها روح " ما أصعب ان تغادر أماكن  ألفتها وتعودت عليها.. أماكن رسمت فيها أمالك، وكتبت فيها قصصك.. أماكن تركت عليها بصمتك  و...