الأحد، 4 أكتوبر 2026

هل وقت الأديب ملك لمتابعيه بقلم الراقية نور شاكر

 هل وقت الأديب ملك لمتابعيه؟

بقلم نور شاكر 

نقدني أحد المتابعين بسبب تأخري في بعض الردود، وقال إن وقت الأديب ملك لمتابعيه، وإن التأخر في الرد نوع من الأنانية، بل وإن الرد إذا جاء متأخرًا فقد جزءًا من فائدته.


ولذلك وجدت في هذا الطرح سؤالًا يستحق أن يُناقش بعيدًا عن الأحكام الجاهزة

هل وقت الأديب فعلًا ملك لمتابعيه؟ أم أن للكاتب حقًا في وقته وطريقته الخاصة في التفاعل؟


ولست أنا من يقف هنا موقفًا متشددًا، لكن الغريب حقًا أن نطلق أحكامًا على شخص لا نعرف عنه شيئًا، وأن نصفه بالأنانية لمجرد أنه تأخر بضع ساعات عن الرد على تعقيب. كيف يمكن لنا أن نحكم على إنسان من خلف شاشة، ونحن لا نرى شيئًا من حياته خارجها؟


علينا ألا ننسى أن فيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات رقمية وافتراضية، وليست حياة اجتماعية واقعية بكل تفاصيلها. وما يظهر لنا من حياة الإنسان على الشاشة ليس إلا جزءًا صغيرًا منها، وربما أقل الأجزاء تعبيرًا عن ظروفه الحقيقية.


في الواقع نحن بشر ولسنا روبوتات. قد نمرض، وقد نتعرض لأذى نفسي، وقد ننشر شيئًا في وقت تعب ثم نختفي ساعات أو أيامًا نستجمع فيها قوانا ونعود. قد نكون موظفين، أو أصحاب أسر ومسؤوليات، أو أصحاب أعمال ومشاريع، وقد تكون لدينا التزامات لا يعرف عنها المتابع شيئًا.


نحن أولًا بشر، ولسنا ملكًا لأحد.


وحين يختار الكاتب أن يشارك الناس شيئًا من أدبه وفكره، فهو يمنحهم جزءًا من وقته وإبداعه، لكنه لا يتنازل بذلك عن حياته الخاصة، ولا يوقّع عقدًا يجعل وقته متاحًا لهم متى أرادوا. المتابعة لا تعني امتلاك الوقت، والتفاعل لا يعني أن يصبح الكاتب ملزمًا بتقديم استجابة فورية لكل تعليق أو تعقيب.


في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مساحة مفتوحة للتفاعل والحضور المستمر، نشأت فكرة غريبة شيئًا فشيئًا، مفادها أن من يكتب للناس أصبح مطالبًا بأن يكون حاضرًا لهم في كل وقت، وأن يرد في اللحظة التي يرونها مناسبة، وأن سرعة التفاعل أصبحت جزءًا من مسؤوليته الأدبية.


لكن هل مسؤولية الأديب تقاس بعدد الدقائق التي يستغرقها في الرد، أم بقيمة ما يقدمه حين يكتب؟


الأديب ليس موظف خدمة عملاء ينتظر الطلبات ليجيب عنها فور وصولها، وليس وجوده على منصة اجتماعية تنازلًا عن وقته الخاص أو عن حقه في اختيار اللحظة التي يكون فيها أكثر صفاءً وتأملًا.


فالكتابة بطبيعتها فعل يحتاج إلى هدوء، والانتباه إلى التفاصيل يحتاج إلى وقت، والرد الذي يأتي بعد تأمل قد يكون أكثر صدقًا وعمقًا من رد سريع كُتب فقط لإثبات الحضور.


ومن هنا يصبح من الضروري التفريق بين احترام المتابعين وبين امتلاكهم لوقت الكاتب.


من حق المتابع أن يقدّر المحتوى، وأن ينتظر التفاعل، وأن يفرح برد الكاتب، لكن ليس من حقه أن يفرض على صاحبه توقيت الرد، أو أن يحوّل التأخر إلى تقصير، أو أن يصفه بالأنانية لمجرد أن الكاتب لم يتحرك وفق ساعته الخاصة.


ولكل إنسان إيقاعه في الحياة. بعضنا يكتب فورًا، وبعضنا يحتاج إلى أن يقرأ ثم يتأمل ثم يعود إلى النص بعد ساعات وربما أيام. وليس في ذلك بالضرورة إهمال أو استخفاف، بل قد يكون العكس تمامًا؛ فقد يكون التأني دليلًا على أن الفكرة لم تمر مرورًا عابرًا، وأن صاحبها أراد أن يمنحها ما تستحق من قراءة وتأمل.


أما القول إن التأخر يضيّع فائدة الرد، ففيه تعميم يحتاج إلى مراجعة. فقيمة الفكرة لا ترتبط دائمًا بحداثة اللحظة. هناك نصوص تُقرأ بعد سنوات فتجد من يتفاعل معها بعمق أكبر من تفاعل مئات القراء في لحظة نشرها، وهناك ردود متأخرة لكنها أكثر حضورًا وصدقًا من ردود سريعة لم تتجاوز المجاملة.


ثم إن افتراض أن التأخر يعني الأنانية يحمل ظلمًا آخر؛ لأننا نحاكم الظاهر ونجهل ما وراءه. لا نعرف ماذا كان يحدث خلف الشاشة، ولا نعرف ما الذي أخّر صاحب النص عن الرد. وقد يكون ما نراه تأخرًا عاديًا عند شخص ما هو في الحقيقة يوم كامل من التعب أو الانشغال أو الحاجة إلى الابتعاد عن الهاتف.


ولهذا أرى أن إطلاق الأحكام السريعة على الآخرين ليس تفاعلًا صحيًا، وأن الجدال يصبح عقيمًا حين نتحدث مع شخص يطلق أحكامًا قاطعة دون أن يرى خلف الشاشة ما يحدث فعلًا.


الأدب لا ينبغي أن يتحول إلى وظيفة حضور وانصراف، والكاتب لا يفقد حقه في حياته لمجرد أنه اختار أن يشارك الناس بعضًا من فكره.


ربما علينا أن نسأل أنفسنا قبل أن نحاسب الأديب على سرعة رده

هل نريد منه أن يكون سريعًا أم عميقًا؟

هل نريد مجرد علامة تدل على أنه رأى التعليق، أم نريد ردًا يحمل اهتمامًا حقيقيًا؟


وهل يصبح وقت الكاتب ملكًا لمتابعيه بمجرد أن اختار أن يشاركهم شيئًا من أدبه وفكره؟


أم أن أجمل ما يمكن أن يمنحه الأديب لمتابعيه ليس سرعة الرد، بل صدق الحضور حين يكون حاضرًا؟

أطرح السؤال بعيدًا عن شخصنة الموقف لأن المسألة في رأيي تتجاوز مجرد تأخر في الرد لتلامس مفهومًا أوسع عن علاقة الأديب بمتابعيه وحدود المسؤولية تجاههم وهل تقاس هذه المسؤولية بسرعة الرد أم بقيمة ما يقدمه حين يكتب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

هل وقت الأديب ملك لمتابعيه بقلم الراقية نور شاكر

 هل وقت الأديب ملك لمتابعيه؟ بقلم نور شاكر  نقدني أحد المتابعين بسبب تأخري في بعض الردود، وقال إن وقت الأديب ملك لمتابعيه، وإن التأخر في الر...