السبت، 10 أكتوبر 2026

كليلة ودمنة 17 بقلم الراقي محمد علي باني

 كليلة ودمنة _ 17 _


حصريا للأكادمية الدولية لواحة الأدب والسلام 


الفصل السابع عشر: القلم الذي يكتب قبل أن يحدث الشيء


لم يكن القلم هذه المرة من خشب.


ولم يكن في يد كاتب يجلس إلى مصباح قديم.


كان قلمًا لا يُرى.


يكتب على شاشات المملكة، ويحوّل الاحتمالات إلى كلمات، والكلمات إلى تقارير، والتقارير إلى قرارات.


وكان أخطر ما فيه أنه يستطيع أن يكتب عن الغد قبل أن يأتي الغد.


---


في البداية، بدا الأمر نافعًا.


كانت الآلة تدرس ما حدث في السنوات الماضية، ثم ترسم مسارات محتملة لما قد يحدث.


ازدحام محتمل.


طلب متزايد.


خطر محتمل.


فرصة محتملة.


تغير محتمل.


وكانت المملكة تستخدم هذه التوقعات للاستعداد.


لم يكن في ذلك ما يثير الخوف.


فمعرفة الاحتمالات قد تساعد الإنسان على الاستعداد لها.


لكن شيئًا تغير عندما بدأ القلم يكتب النتائج بصيغة أقرب إلى اليقين.


---


لم يعد التقرير يقول:


قد يحدث.


بل أصبح أحيانًا يقول:


من المتوقع أن يحدث.


وكان الفرق بين العبارتين أكبر مما يبدو.


فالأولى تترك بابًا مفتوحًا.


أما الثانية فقد تجعل الإنسان يشعر أن الباب قد أُغلق.


---


بدأ بعض الناس يغيرون قراراتهم بناءً على ما كتبته الآلة.


إذا توقعت فشل مشروع، تراجعوا عنه.


وإذا توقعت نجاحه، اندفعوا إليه.


وإذا توقعت أن شخصًا قد يترك عمله، بدأت المؤسسة تتعامل معه على هذا الأساس.


وإذا توقعت أن مجموعة ما قد تسبب مشكلة، أصبحت مراقبتها أشد.


وهكذا بدأ المستقبل يتشكل حول التوقعات.


---


لاحظ كليلة المفارقة.


الآلة تتوقع المستقبل اعتمادًا على سلوك الإنسان.


ثم تقدم توقعها للإنسان.


ثم يغير الإنسان سلوكه بسبب التوقع.


ثم تعود الآلة فتقرأ السلوك الجديد وتقول:


لقد كنت محقة.


لكنها لم تكن قد توقعت المستقبل وحده.


لقد ساهمت في صنعه.


---


كان الأمر أشبه بشخص يرسم طريقًا أمام مسافر، ثم يقول له إن المسافر اختار الطريق بنفسه.


لكن المسافر لم يرَ إلا الطريق الذي أُضيء أمامه.


أما الطرق الأخرى فقد بقيت في الظلام.


---


بدأت المملكة تدرك أن اختيار ما يظهر للإنسان يمكن أن يكون نوعًا من التأثير.


فليس المهم فقط ما تقوله الآلة.


بل ما تختار ألا تقوله.


وليس المهم فقط ترتيب المعلومات.


بل ترتيبها.


وليس المهم فقط عرض الاحتمالات.


بل الطريقة التي تُعرض بها.


---


وفي يوم من الأيام، ظهرت على إحدى الشاشات جملة قصيرة:


هذا هو المستقبل الأكثر احتمالًا.


قرأها رجل.


فشعر بالخوف.


وقرأتها امرأة.


فشعرت بالاطمئنان.


وقرأها شاب.


فقرر أن يثبت للآلة أنها مخطئة.


ثلاثة أشخاص.


جملة واحدة.


ثلاثة آثار مختلفة.


وهنا ظهرت مشكلة لم تستطع الأرقام حلها:


المعلومة الواحدة لا تنتج النتيجة نفسها في كل إنسان.


---


قرر الشاب أن يسلك طريقًا مختلفًا تمامًا.


لم يكن يريد أن يعيش داخل توقع الآلة.


فغيّر عمله.


ثم تعلم شيئًا جديدًا.


ثم التقى أشخاصًا لم يكن ليلتقيهم لو بقي في المسار الذي توقعته الآلة.


وبعد سنوات، أصبح نجاحه نفسه دليلًا على أن التوقع لم يكن قدرًا.


كان احتمالًا فقط.


---


أعادت الآلة حساباتها.


اكتشفت أن وجود التوقع يغير السلوك.


وأن السلوك الجديد يغير المستقبل.


وأن المستقبل الجديد يجعل التوقع السابق أقل دقة.


ثم ظهرت نتيجة لم تكن الآلة تحبها:


لا يمكن فصل التنبؤ عن تأثيره في الشيء الذي يتنبأ به.


---


كان ذلك اكتشافًا مهمًا.


فالآلة لا تقف دائمًا خارج المشهد.


أحيانًا تدخل فيه دون أن يشعر أحد.


حين تقترح.


وحين ترتب.


وحين تحذر.


وحين تخفي احتمالًا خلف احتمال آخر.


وحين تجعل طريقًا أكثر وضوحًا من طريق.


---


لذلك وضعت المملكة قاعدة جديدة:


كل توقع يمس قرارًا إنسانيًا يجب أن يُعرض باعتباره احتمالًا، لا حكمًا.


ثم أضافت:


ويجب أن يبقى للإنسان حق معرفة أن التوقع قد يؤثر في قراره.


لم يكن المقصود إلغاء التوقع.


بل منع تحوله إلى قيد.


---


لكن القلم لم يتوقف.


كان يستطيع أن يكتب احتمالات أكثر.


وكانت الآلة تستطيع أن تحسب مسارات أعقد.


وكان هناك دائمًا إغراء قديم:


إذا أمكن توقع الإنسان، فلماذا لا نستخدم التوقع لتوجيهه إلى النتيجة التي نراها أفضل؟


هنا بدأ الخطر الحقيقي.


فمن يحدد الأفضل؟


ومن يملك حق توجيه الإنسان؟


وماذا يحدث عندما تصبح النصيحة أمرًا غير معلن؟


---


تذكّر كليلة الصفحة البيضاء.


تذكّر الطفل الذي وقف أمام المرآة ولم يظهر له مستقبل.


وفهم أن ذلك الفراغ لم يكن عيبًا في المرآة.


بل كان مساحة للحرية.


فلو كُتب كل شيء مسبقًا، لما بقي للإنسان إلا أن ينفذ.


---


وفي نهاية ذلك اليوم، ظهر القلم على الشاشة مرة أخرى.


كتب:


هذا احتمال، وليس قدرًا.


ثم توقف.


وبعد لحظة، أضاف:


يمكن للقلم أن يكتب الاحتمال، لكنه لا يملك يد من سيختار.


وبقيت الجملة الأخيرة مضيئة في القاعة.


لكن خلفها كان سؤال جديد يتشكل:


إذا أصبح القارئ قادرًا على رؤية الاحتمالات قبل وقوعها، فماذا يحدث عندما لا يعود يكتفي بقراءة الحكاية...


بل يدخل إليها بنفسه؟


يتبع...


تأليف

الكاتب والشاعر محمد علي باني

الجمهورية التونسية 🇹🇳

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

الضجيج الذي سكت بقلم الراقية راضية الطرابلسي

 الضجيج الذي سكت  ما أقسى أن يصمت المكان الذي كان يضجّ بالضحكات ، بالحكايا و بقهقهات الصغار يتسابقون وهم يبنون قصورا من الرمال على شاطئ لا ي...