ما لا تقصفه الحرب
أحمد سعود عوض
في الحربِ
لا تبحثُ الوردةُ
عن نافذةٍ هادئةٍ كي تتفتّح.
تتعلّمُ أوّلًا
أن تُخفي عطرَها تحتَ حجر،
أن تؤجّلَ لونَها قليلًا،
أن تنجو
في يدٍ ترتجفُ
ولا تتركُها.
هناك،
حيثُ ينهارُ البيتُ
قبل أن يُكملَ حكايتَهُ للباب،
وحيثُ تختلطُ رائحةُ الخبزِ
برائحةِ الحديدِ المحترق،
وتفقدُ المدنُ قدرتَها
على تمييزِ الصباحِ
من رمادِ الليل؛
يضعُ الإنسانُ يدَهُ على صدرِهِ
كمن يفتّشُ عن شاهدٍ أخير،
ويسألُ قلبَهُ بخوفٍ عارٍ:
هل ما زلتُ حيًّا؟
أم أنني فقط
لم أمُتْ بعد؟
الحربُ
تمدُّ يدَها إلى العينين،
تحاولُ أن تسحبَ المعنى
قبل أن يلمع،
أن تجعلَ الوجوهَ غبارًا بلا ملامح،
والبيوتَ خرائطَ ممزّقةً في يدِ الطين،
والأمهاتِ أكفًّا
تفتّشُ في الرماد
عن دفءٍ صغير،
والعشّاقَ
رسائلَ مطويّةً
تحتَ وسادةٍ
لم يَعُدْ لها سرير.
لكنَّ الحبَّ،
هذا الكائنَ الهشَّ
الذي لا يملكُ أكثرَ من اسمٍ
يرتجفُ في الذاكرة،
يعرفُ عنادًا
لا تفهمُهُ المدافع.
لا يوقفُ القذيفةَ في الهواء،
لكنهُ يمنعُها
من أن تصيرَ
الحقيقةَ الوحيدةَ في العالم.
في الحربِ
تصيرُ كلمةُ: أحبُّكِ
أثقلَ من الجبال.
تصيرُ خاتمًا صغيرًا
نجا في إصبعٍ مغطّى بالغبار،
منديلًا أبيضَ
تحتفظُ به امرأةٌ
كأنّهُ آخرُ شرفةٍ للغياب،
وصورةً مطويّةً
في جيبِ قميصٍ محترق
تُصرُّ على أن تُبقي الوجهَ
أكثرَ حياةً
من خبرِ موته.
أحبُّكِ،
تعني أنني لن أتركَ الموتَ
يسرقُ وجهَكِ من داخلي.
سأحرسُ صورتَكِ
من غبارِ الجهات،
وسأراكِ كاملةً
ولو حاولتِ الحربُ
أن تختصركِ
في سطرٍ باردٍ
على فمِ الغياب.
أحبُّكِ،
تعني أنني ما زلتُ أؤمنُ
بالحديقةِ
التي لم نزرعْها،
بالطفلِ
الذي ظلَّ في حلمِنا
ولم يولد،
بفنجانينِ
كانا ينتظرانِ صباحًا واحدًا،
وبالبيتِ
الذي انتظرَنا طويلًا
ثم سقطَ
كأنّهُ تعبَ
من الوقوفِ وحدَه.
ما أقسى
أن يحبَّ الإنسانُ
في زمنٍ لا يضمنُ فيه
أن يبلغَ المساء.
وما أبهى
أن يصرَّ على الحبِّ رغم ذلك،
كأنَّ القلبَ،
وهو محاصرٌ بالدخان،
يُشعلُ عودَ ثقابٍ صغيرًا،
لا ليرى الطريق،
بل ليثبتَ
أنَّ العتمةَ
لم تربحْ كلَّ شيء.
تقولُ الحربُ:
سآخذُ الجدران.
فيبقى الحنينُ
مسمارًا صغيرًا
في خشبةِ بابٍ مخلوع.
تقولُ:
سأكسرُ النوافذ.
فيخترعُ القلبُ
ضوءًا داخليًّا
ويعلّقُهُ
على جدارٍ لا يراهُ أحد.
تقولُ:
سأملأُ السماءَ بالطائرات.
فتفتحُ نبضةٌ
غرفتَها السرّية،
وتخبّئُ فيها اسمًا
لا تصلُهُ القذائف.
أن يحبَّ الإنسانُ
في زمنِ الحرب
يعني أن يخبّئَ في روحهِ
شيئًا طريًّا من العالم،
أن يصونَ دمعةً واحدةً
من الجفاف،
وأن يقولَ للخراب:
خذْ ما استطعتَ،
خذِ البابَ،
خذِ السريرَ،
خذْ ظلَّ الشجرةِ
عن الجدار،
خذِ المرايا
كي لا نرى وجوهَنا كاملة،
لكنني
لن أمنحَكَ روحي
كلَّها.
قد لا ينتصرُ الحبُّ
كما تنتصرُ الأشياءُ
في الحكايات.
قد لا يعودُ الغائب،
ولا ينهضُ البيتُ
من رمادِهِ،
وقد تبقى الرسائلُ مطويّةً
كأجنحةِ حمامٍ
قُتلَ قبلَ أن يطير.
لكنَّ الحبَّ
يتركُ أثرَهُ العميقَ
في المكان:
وردةً تحتَ خوذة،
مفتاحًا نائمًا
في جيبِ معطفٍ مثقوب،
مشطًا بأسنانٍ مكسورة
ما زالَ يحفظُ رائحةَ الشعر،
صورةً نجتْ من النار
وفي طرفِها سواد،
كوبًا مشروخًا
ما زالَ يحتفظُ
بأثرِ شفتين،
وزرًّا صغيرًا
سقطَ من قميصِ طفلٍ
وظلَّ يلمعُ
كعينٍ لم تُغلقْها الحرب.
وامرأةً تنتظرُ
لا لأنَّ الانتظارَ
يعيدُ الراحلين،
بل لأنَّ الوفاءَ
يمنعُهم
من الغيابِ النهائي.
في زمنِ الحرب
لا نسألُ:
هل يموتُ الحب؟
بل نسألُ:
ماذا يبقى من الإنسان
إذا خرجَ الحبُّ من صدرِهِ
ولم يعد؟
والجوابُ
يخرجُ من قلبٍ مكسور،
لكنّهُ ما زالَ ينبض.
يخرجُ من وردةٍ
خبّأتْ ع
طرَها تحتَ حجر،
ثم قالتْ للعالم
حين مرَّ الدخان:
أنا هنا.
لم أقُلْ كلمتي بعد.
ويبقى الحبُّ
آخرَ شاهدٍ
على أنَّ الحربَ،
مهما أتقنتِ القصف،
لم تستطعْ
أن تنتصرَ
على الإنسانِ كلِّه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .