الجمعة، 12 يونيو 2026

ما بين الركام واليقين بقلم الراقية هيفاء البريجاوي

 قصة قصيرة 

بقلم الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي 

ما بين الركام واليقين 

في ركنٍ من أركانِ أرضٍ أنهكتها الحرب، وُلد شابٌ لم يكن صوت ألم روحه كغيره من الأطفال، بل كان صدى مخاض ألمٍ مبكرٍ سبق عمره. 

لم تكد طفولته تكتمل حتى التهمت النيرانُ ما تبقى من دفءِ بيته، وابتلعت رفاتُ الحرب صوت حنان وقوة والديه في لحظةٍ واحدة، كأنّ القدر أراد أن يختبر قلبًا لم يتعلم بعد على العوم فوق أمواج الاستسلام.


نجا وحده… لكنّه لم ينجُ كما ينجو الأحياء، فقد خرج من تحت الركام بجسدٍ أنهكه الفقد، وبعمودٍ فقريٍ انكسر، فصار مقعدًا يرافقه الألم كظلّه، غير أنّ ما لم ينكسر فيه كان أعمق من العظم: روحٌ لم تعرف الهزيمة.


كبر اليتيم بين ذاكرةٍ مثقلةٍ بالرماد، لكنه كان كلما أغمض عينيه رأى حلمًا واحدًا يضيء العتمة: أن يعيش إنسانيته كاملة رغم كل ما سُلب منه. لم يسمح للمقعد أن يكون قيدًا، بل جعله نقطة انطلاقٍ إلى معنى آخر للحياة.


وفي رحلةٍ أشبه بالمعجزة، حملته موجات البحر في قاربٍ مجهول، كأن الحياة نفسها كانت تختبر صبره مرةً أخرى. 


كانت الأمواج تعلو وتخفض، لكن قلبه كان أعلى من الخوف، مرددًا في داخله: “إن كانت الأرض ضاقت، فسماء الله لا تضيق”.


وصل إلى إسبانيا، لا يملك إلا جسده المتعب وأحلامه الثقيلة، لكنّه امتلك شيئًا لم يره الآخرون: عزيمة تُشبه جذور شجرة لا تنكسر بالعواصف. هناك، التحق بأعلى الجامعات، لا كطالبٍ عادي، بل كرسالةٍ تمشي على كرسي، تثبت أن الإرادة قد تحمل الجسد إلى حيث لا تصل الخطى.


ومع الزمن، لم يعد ذلك الشاب مجرد ناجٍ، بل صار متعهدًا لعطاءٍ واسع، مؤسسًا لجمعية أيتامٍ جمعت من تفرّقوا، ووحدت من تشتتوا، وكأن فقده الأول تحوّل إلى بابٍ لاحتضان آلاف الفاقدين الأمان .

صار الطموح فيه شجرةً تمتد فروعها إلى كل محتاج، وتثمر علمًا وصلاحًا في كل أرض.


كان يقول دائمًا في صمت عمله: إن الوجع إذا صُبغ بالإيمان صار نورًا، وإن الإنسان حين يعطي مما كُسر فيه، يخلق من الكسر حياةً جديدة.


ومع الأيام، لم تعد الجمعية مؤسسة فقط، بل بيتًا كبيرًا تتفرع منه قلوبٌ مؤمنة، وأبناء علمٍ وصلاحٍ انتشروا في بقاع الأرض، يعودون كلما اشتد بهم الحنين إلى ذلك

"الأب الخفي المقعد” الذي لم يكن قائدًا بالمنصب، بل بالمعنى.


ذلك الأب الذي وحّدهم على مقاعد الحب، وجعل من آلامهم سلالم مجد، ومن جراحهم طريقًا نحو أمةٍ تتعلم كيف تحتضن محنها بدل أن تنهار تحتها. 


تحولت قصتهم إلى مدنٍ مضيئة بالعلم والخلق، وكأن الألم نفسه قد صار مادة بناءٍ للحياة.


وفي لحظةٍ ما، عادوا جميعًا إلى بيت الجد كعهد أول ابتدأ ببسملة اليقين ، لخطوات نجاح حقيقي ،كتحدي للصعاب ببلسم الرضى ، وإرادة الثبات .

حيث بقي كرسيه شاهدًا صامتًا على رحلةٍ بدأت من تحت الركام ولم تنتهِ بعد. 


لم يكن الكرسي مجرد خشب، بل ذاكرة أمةٍ تعلمت أن الفقد يمكن أن يصنع معنى، وأن الغياب قد يتحول إلى حضورٍ أعمق من كل حضور.


ذلك الكرسي صار عبرةً للأجيال: أن الضعف حين يُرفع بالإيمان يصبح قوة، وأن الإنسان حين يختار الخير، يعود إليه الخير أضعافًا مضاعفة، وأن الأمل لا ينهزم ما دام في القلب نبضٌ يقول: “هناك غدٌ يستحق أن نكمل”.


وفي يومٍ من أيام الجمعة، حيث السكينة تتنزل كرحمةٍ على القلوب، وقفوا جميعًا يستذكرون رحلته. ليكون موعد ثابت . لمواصلة شحذ الهمم ، لتبليغ رسالة جمع الصدقات بصندوق قلوب تبلغ الرسالة حق تبليغ .لأن بذور الحلم الأجمل ، تحول لبيدر من محاصيل الوفاء لهذا المقام العظيم 


فلم يكن هناك بكاءٌ على الألم بقدر ما كان شكرٌ على التحول. 

فقد فهموا أن الله لم يتركهم في العتمة، بل كان يُنبت من كل وجعٍ نورًا، ومن كل سقوطٍ قيامًا، ومن كل فقدٍ معنى.


هناك، بين الدعاء وسكون اللحظة، أدركوا أن القصة لم تكن قصة شابٍ فقط، بل قصة رحمةٍ إلهية كتبت بحبر الزمن، وأن الخير حين يُزرع بإخلاص، لا يموت… 

بل يعود مضاعفًا، ويُورث كالنور، جيلًا بعد جيل.

هناك عقيدة حفظ حينما ننوي تخطي رحلة السفر إلى موعد وصول . 

نصل بقوة إيمان ، ورحمة ، ومودة تحفظ النعم ، وتزيد البركات .

نمر على جمر الألم، ورحلتنا لم تنتهِ بعد .

لينبت العزم والإصرار وهناك يد خفية لا تبخل علينا بمظلة العطاء بدون سؤال . والمنع بلا حجب ، والعطاء بلا قيد من خزائن تفتح لنا بوابات الخير حينما نعي كيف نجيد الدعاء بالعمل والسعي بنور قلب ، ويقين حضور . وإخلاص لا يضيع معه أجر يعرف طريقه الينا حينما يشتد الابتلاء .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .