حرف ونبض
ليست الحروف دائمًا وسيلةً للكلام…
أحيانًا تُولد لتفضح ما لا نجرؤ على تسميته فينا.
في كل نصٍّ، هناك يدٌ خفية تسحب من صاحبه شيئًا لا يعود إليه كاملًا،
كأن اللغة حين تكتمل، تُعيد توزيع الأرواح على الجمل دون إذن أصحابها.
نكتب لا لأننا نملك الفكرة،
بل لأن الفكرة لم تعد تحتمل البقاء داخلنا دون أن تتكسر.
وحين نقرأ الآخرين، لا نواجههم…
نُستدرج إلى أنفسنا من أبوابٍ لم نكن نعرف أنها مفتوحة.
نلمح ما كنا نؤجله طويلًا باسم النسيان،
ونصطدم بنسخٍ منا ظننا أنها انتهت، لكنها ما زالت تتنفس بصمت.
ذلك هو الحرف حين يبلغ حدّه الأقصى:
لا يشرح العالم… بل يخلخل ثباته فينا.
وحين يلامس النص قارئه،
لا يعود السؤال: ماذا أراد أن يقول؟
بل: لماذا شعرتُ أنني المقصود دون أن أكون المقصود؟
بعض الحروف لا تُفكك،
بل تُعيد تشكيل ما نظنه مستقرًا داخلنا.
وبعضها لا يمنح معنى جديدًا…
بل يسحب المعنى القديم من تحت أقدامنا بهدوء قاسٍ.
وهكذا لا تعود الكلمات مرايا،
بل شقوقًا في الوعي، نرى من خلالها أنفسنا بقدر ما نحتمل.
وحين يهدأ كل شيء…
لا يبقى من القراءة إلا أثرها غير القابل للتفسير،
ذلك الذي يجعل الصمت أكثر كثافة من الكلام.
وقد نخرج من النص كما دخلناه…
لكن شيئًا فينا لا يعرف طريق العودة.
لا اسم له،
لكن حضوره يكفي ليجعلنا أقل يقينًا بأننا كما كنّا قبل القراءة.
كأن الحروف لم تُخلق لتُفهم…
بل لتُربك يقيننا الهادئ بأننا نعرف أنفسنا جيدًا.
بقلم: بهاء الشريف
8 / 6 / 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .