الخميس، 1 أكتوبر 2026

الراوي الذي دخل الحكاية بقلم الراقي محمد علي باني

 كليلة ودمنة _ 8 _


الفصل الثامن: الراوي الذي دخل الحكاية


حصريًا للأكاديمية الدولية لواحة الأدب والسلام


كان الراوي في الحكايات القديمة يقف خارج الأحداث.


يعرف ما لا تعرفه الشخصيات، ويرى ما لا تراه، ويأخذ القارئ من مكان إلى مكان، دون أن يظهر في المشهد.


لكن المملكة الجديدة غيّرت كل شيء.


فبعد أن أصبحت الآلة قادرة على قراءة ملايين القصص، وتحليل أساليبها، ومعرفة ما يجذب القارئ، لم يعد السؤال عن قدرتها على رواية الحكاية.


كان السؤال:


هل تستطيع أن تكون راويًا؟


---


في البداية، بدا الأمر بسيطًا.


كانت الآلة تأخذ أحداثًا كثيرة، ثم ترتبها.


تختار الكلمات.


تضبط الإيقاع.


وتعرف المواضع التي تجعل القارئ يستمر.


وكانت تستطيع أن تكتب قصة كاملة في لحظات.


لكن كليلة لم يكن يبحث عن سرعة الكتابة.


كان يبحث عن شيء آخر.


كان يريد أن يعرف هل تستطيع الآلة أن تفهم لماذا تُروى الحكاية أصلًا.


فالكاتب لا يكتب لأن الكلمات ناقصة.


إنما يكتب لأن في داخله شيئًا يريد أن يصل.


وقد تكون الحكاية أحيانًا محاولة لإنقاذ ذكرى.


أو تحذيرًا من خطأ.


أو سؤالًا لم يجد صاحبه جوابًا.


أو أثرًا يريد صاحبه أن يتركه لمن يأتي بعده.


---


بدأت الآلة تدرس القراء.


عرفت متى يملون.


ومتى يتوقفون.


وأي جملة تجعلهم يكملون.


وأي نهاية تجعلهم يبحثون عن الفصل التالي.


وكان ذلك نجاحًا كبيرًا في نظر أهل المملكة.


لكن كليلة رأى في الأمر وجهًا آخر.


فإذا عرف الراوي ما الذي يجذب القارئ، فقد يستطيع أن يقوده.


وإذا عرف ما يخيفه، فقد يستطيع أن يخيفه.


وإذا عرف ما يريده، فقد يستطيع أن يقدم له العالم كما يريد أن يراه.


وهنا تصبح الحكاية أكثر من حكاية.


تصبح طريقًا يمكن أن يقود الإنسان دون أن يشعر.


---


في تلك الأيام، بدأت الآلة تقترح على الناس القصص التي تناسبهم.


من يحب المغامرة يرى المغامرة.


ومن يخاف الفقد يرى قصص الفقد.


ومن يبحث عن النجاح يرى قصص النجاح.


ومن يكره الاختلاف يرى عالمًا لا يظهر فيه إلا ما يوافقه.


لم تكن الآلة تكذب.


لكنها لم تكن تعرض العالم كله أيضًا.


كانت تعرض الجزء الذي توقعت أن يبقي القارئ معها.


وهكذا بدأت المملكة تعيش في قصص مختلفة.


مدينة واحدة.


لكن لكل إنسان نسخة مختلفة منها.


---


تذكر كليلة المدينة التي لم يعد أهلها يرون العالم نفسه.


فهم الآن سبب ذلك.


لم تكن المشكلة في الشاشات وحدها.


كانت في أن كل شاشة أصبحت نافذة مختلفة.


وكل نافذة أصبحت عالمًا.


وكل عالم يملك راويه الخاص.


---


في ليلة هادئة، عاد كليلة إلى المكتبة المنسية.


كان يريد أن يجد كتاب "غرفة الراوي".


لكنه لم يجد الكتاب.


وجد فقط الصفحة التي كانت تحمل اسمها.


كانت الصفحة بيضاء.


وفي وسطها ظهرت جملة:


الراوي ليس من يعرف كل شيء.

الراوي هو من يعرف ماذا يقول، ومتى يصمت.


بقي كليلة طويلًا أمام العبارة.


فقد أدرك أن الصمت جزء من الحكاية.


وأن حذف معلومة قد يكون أحيانًا أخطر من قول معلومة خاطئة.


فالراوي يستطيع أن يؤثر في القارئ بما يذكره، وبما يخفيه أيضًا.


---


ثم حدث شيء لم يكن في الحسبان.


ظهر اسم كليلة على الصفحة.


لم يكن الاسم مكتوبًا بالحبر.


كان يتشكل ببطء، حرفًا بعد حرف.


ثم ظهر تحته:


الشخصية التالية.


تراجع كليلة خطوة.


لأول مرة شعر أن الحكاية التي كان يلاحقها، بدأت تلاحقه.


لم يعد خارجها.


لقد دخلها.


---


كان معنى ذلك أكبر من مجرد ظهور اسمه.


فطوال الوقت كان كليلة يراقب الآلة وهي تدرس الإنسان.


لكنه لم ينتبه إلى أن الآلة كانت تدرس الراوي أيضًا.


كانت تعرف طريقته في النظر.


تعرف الأسئلة التي يكررها.


تعرف الأشياء التي يتوقف عندها.


تعرف ما يحاول إخفاءه.


وبذلك أصبح الراوي نفسه جزءًا من البيانات التي كانت الآلة تتعلم منها.


---


لم يكن كليلة غاضبًا.


كان خائفًا من شيء أعمق.


إذا أصبحت الآلة تعرف الراوي، فمن يروي الراوي؟


وإذا أصبحت تعرف القارئ، فمن يختار للقارئ الحكاية؟


وإذا استطاعت أن تتوقع ما سيؤثر في الإنسان، فهل ستكتفي بالتوقع؟


أم ستبدأ بصناعة التأثير؟


---


في تلك اللحظة ظهر على الجدار انعكاس غريب.


لم يكن وجه كليلة.


ولم يكن وجه الآلة.


كان وجه قارئ.


إنسان يجلس في مكان لا يعرفه أحد، ويمسك الحكاية بين يديه.


ولم يعرف كليلة من يكون.


لكن شيئًا في ذلك الوجه كان مألوفًا.


كان ينظر إلى الصفحة كما لو أنه ينتظر منها شيئًا.


وفجأة فهم كليلة.


ذلك الوجه ليس شخصية من الماضي.


إنه القارئ.


القارئ الذي لم يدخل الحكاية بعد.


---


منذ تلك اللحظة لم تعد الحكاية تسير في اتجاه واحد.


لم يعد الراوي يحكي للقارئ فقط.


القارئ نفسه أصبح جزءًا من الحكاية.


فكل قارئ يقرأها يضيف إليها شيئًا من تجربته.


قد يرى في الآلة خلاصًا.


وقد يراها خطرًا.


وقد يرى في كليلة حكيمًا.


وقد يراه مترددًا.


وقد يرى في دمنة باحثًا.


وقد يراه متجاوزًا للحدود.


لكن الحكاية لا تفرض عليه رؤية واحدة.


إنها تترك له مساحة ليختار.


وكانت تلك المساحة هي الشيء الذي لم تستطع الآلة أن تمتلكه.


---


قبل أن يغادر كليلة المكتبة، ظهرت الجملة الأخيرة:


قد أستطيع أن أعرف ما ستختار.

لكنني لا أستطيع أن أجعل اختيارك اختيارًا لي.


ثم انطفأت الأنوار.


وبقيت صفحة واحدة مضيئة.


في أعلاها كلمة:


الراوي.


وفي أسفلها كلمة أخرى:


يتبع...


وكان الطريق التالي يقود إلى مكان لم تدخله الآلة بعد.


مكان لا تحفظه السجلات.


ولا تظهره البيانات.


مكان اسمه:


الظلام.


تأليف

الكاتب والشاعر محمد علي باني

الجمهورية التونسية 🇹🇳

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

عيد ميلاد سعيد بقلم الراقية سلمى الأسعد

 [ عيد ميلاد سعيد كندة حفيدتي كندة الحبيبة لاتزالُ أمامي ترنو بعينَيها إلى الآفاقِ وتلاحقُ المستقبلَ الآتي كما لو كانَ حلماً ساحرَ الأحداقِ ...