تَعَبُ الأَرْوَاحِ الصَّامِتَة
بقلمي: بَهَاءُ الشَّرِيفِ
10 / 5 / 2026
أَحْيَانًا لَا تَكُونُ الدُّمُوعُ ضَعْفًا،
بَلْ تَكُونُ اللَّحْظَةَ الَّتِي يَتْعَبُ فِيهَا القَلْبُ
مِنَ التَّظَاهُرِ بِأَنَّهُ بِخَيْرٍ…
نَبْكِي لِأَنَّنَا صَبَرْنَا أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي،
وَسَكَتْنَا أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ الوَجَعُ،
وَحَاوَلْنَا أَنْ نَشْرَحَ أَرْوَاحَنَا لِمَنْ لَا يُجِيدُ الإِصْغَاءَ.
فَبَعْضُ الأَحْزَانِ
لَا يَقْتُلُهَا البُكَاءُ…
لَكِنَّهُ يُخَفِّفُ ثِقْلَهَا قَلِيلًا.
وَأَقْسَى مَا فِي الأَمْرِ…
أَنَّكَ حِينَ تَحْتَاجُ مَنْ يَفْهَمُكَ،
تَجِدُ نَفْسَكَ مُحَاطًا بِالكَثِيرِ مِنَ الوُجُوهِ
وَقَلِيلٍ جِدًّا مِنَ القُلُوبِ.
فَتَبْتَسِمُ مُجْبَرًا،
وَتُخْفِي تَعَبَكَ خَلْفَ الكَلِمَاتِ العَابِرَةِ،
بَيْنَمَا فِي دَاخِلِكَ
ضَجِيجٌ كَامِلٌ مِنَ الانْكِسَارَاتِ الصَّامِتَةِ.
نَحْنُ لَا نَبْكِي لِأَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ التَّحَمُّلَ،
بَلْ لِأَنَّنَا تَحَمَّلْنَا وَحْدَنَا
وَقْتًا أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي.
وَمَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ الصَّامِتَ بِخَيْرٍ،
بَيْنَمَا هُوَ يَنْهَارُ بِهُدُوءٍ
كَيْ لَا يُزْعِجَ أَحَدًا بِوَجَعِهِ…
وَلِأَنَّ القَلْبَ اعْتَادَ الكِتْمَانَ،
أَصْبَحَ يُتْقِنُ التَّظَاهُرَ بِالقُوَّةِ
حَتَّى فِي أَكْثَرِ لَحَظَاتِهِ هَشَاشَةً.
نُرَبِّتُ عَلَى أَرْوَاحِ الآخَرِينَ بِحَنَانٍ،
بَيْنَمَا نَعْجِزُ أَحْيَانًا
عَنْ إِيجَادِ يَدٍ وَاحِدَةٍ
تُرَبِّتُ عَلَيْنَا بِصِدْقٍ.
نَعْتَذِرُ كَثِيرًا عَنْ تَغَيُّرِنَا،
وَلَا أَحَدَ يَسْأَلُ
كَمْ مَرَّةً اضْطُرِرْنَا فِيهَا
أَنْ نُرَمِّمَ أَنْفُسَنَا وَحْدَنَا.
ثُمَّ يَأْتِي اللَّيْلُ…
ذَلِكَ المَكَانُ الَّذِي تَسْقُطُ فِيهِ الأَقْنِعَةُ،
وَيَجْلِسُ الإِنْسَانُ أَخِيرًا
أَمَامَ كُلِّ مَا أَخْفَاهُ طِوَالَ النَّهَارِ.
هُنَاكَ…
لَا يَعُودُ البُكَاءُ ضَعْفًا،
بَلْ يُصْبِحُ لُغَةً أَخِيرَةً
يَقُولُ بِهَا القَلْبُ:
«لَقَدْ تَعِبْتُ… وَمَا عَادَ بِي مُتَّسَعٌ لِهٰذَا الأَلَمِ».
وَمَعَ ذٰلِكَ…
نَسْتَيْقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ
وَنُحَاوِلُ مِنْ جَدِيدٍ،
كَأَنَّ فِي دَاخِلِنَا شَيْئًا صَغِيرًا
يَرْفُضُ الاسْتِسْلَامَ رَغْمَ كُلِّ مَا انْكَسَرَ.
نَضْحَكُ أَحْيَانًا
لَا لِأَنَّنَا بِخَيْرٍ،
بَلْ لِأَنَّ الحُزْنَ الطَّوِيلَ
يُرْهِقُ صَاحِبَهُ،
فَيَبْحَثُ عَنْ لَحْظَةِ نَجَاةٍ مُؤَقَّتَةٍ.
لَقَدْ تَعَلَّمْنَا أَنْ نُخْفِيَ الخَيْبَةَ خَلْفَ «لَا بَأْسَ»،
وَأَنْ نَبْتَلِعَ الغُصَّةَ بِابْتِسَامَةٍ،
وَأَنْ نُكْمِلَ الطَّرِيقَ
حَتَّى حِينَ تَكُونُ أَرْوَاحُنَا عَاجِزَةً عَنِ السَّيْرِ.
لَكِنَّ الحَقِيقَةَ…
أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى حُلُولٍ،
بَقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ
إِلَى قَلْبٍ يُشْعِرُهُ
أَنَّهُ لَيْسَ وَحِيدًا.
فَبَعْضُ الأَرْوَاحِ
لَا يُنْقِذُهَا الكَلَامُ،
بَلْ يُنْقِذُهَا الاِحْتِوَاءُ،
وَالطُّمَأْنِينَةُ،
وَشَخْصٌ يَقُولُ بِصِدْقٍ:
«أَنَا أَفْهَمُ تَعَبَكَ… وَلَوْ عَجَزْتَ عَنْ شَرْحِهِ».
وَلَعَلَّ أَصْعَبَ مَا فِي الأَمْرِ…
أَنْ تُرْهِقَ نَفْسَكَ فِي احْتِوَاءِ الجَمِيعِ،
ثُمَّ تَكْتَشِفَ عِنْدَ سُقُوطِكَ
أَنَّ لَا أَحَدَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَحْتَوِيكَ.
فَنَحْنُ أَحْيَانًا
لَا نَحْتَاجُ أَكْثَرَ مِنْ شُعُورٍ بَسِيطٍ…
أَنْ نَكُونَ مَرْئِيِّينَ،
مَفْهُومِينَ،
وَغَيْرَ عِبْءِ عَلَى أَحَدٍ.
وَمَعَ كُلِّ هٰذَا التَّعَبِ…
يَبْقَى فِي القَلْبِ خَيْطُ أَمَلٍ أَخِيرٍ،
أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
لَا نُضْطَرُّ فِيهِ لِإِخْفَاءِ أَلَمِنَا،
وَلَا لِشَرْحِ أَنْفُسِنَا مَرَّاتٍ لَا تُعَدُّ.
يَوْمٌ نَجِدُ فِيهِ
مَنْ يَقْرَأُ ارْتِعَاشَةَ أَرْوَاحِنَا
قَبْلَ أَنْ تَسْقُطَ الدُّمُوعُ…
فَبَعْضُ القُلُوبِ
لَا تُرْهِقُهَا الحَيَاةُ وَحْدَهَا،
بَلْ يُرْهِقُهَا
أَنَّهَا كَانَتْ دَائِمًا
تُحَارِبُ… بِصَمْتٍ.