عروس وهمٍ وحكاية ظلّ
تراكمت السنون فوق عاتقٍ لم يزل يحمل أثقال غروره، كأنما الزمان يقف إجلالًا أمام عروس الوهم التي ما انفكّت تظن نفسها قطب الرحى ومحور المجرّات.
لفّت الأيام بعباءة من زهوٍ مصطنع، فكانت تتغذى على همس المجالس، وتزدهر روحها العطشى إذا ما مُدح رذاذُ حضورها، وتذبل غضبًا إن مرّ اسم سواها بلا تنقص أو تقليل.
عاشت تبيع العطايا مَنًّا وتشتري الودّ مقايضةً، فما وُزن العطاء بميزان الإخلاص قط، بل كان سجلًّا تُدون فيه الأفضال لتقرع بها رؤوس العباد.
أحرقت حطام قرينها وظنته بناءً مخلدا، فما أبقت من صرحه إلا رمادًا تذروه الرياح، ولو ملكت الأيام زماما لكانت اليوم مالكة لقصور من سراب، غير أن البصر انقشع والسراب تلاشى.
اليوم، انطوت تلك الرايات كلها. لم يبقَ من صخب الحكاية سوى جدار يتردد فيه صدى السكون، وجسد أنهكه الترحال وأضناه جفافُ الأيام؛فتساقطت أوراق الشجرة التي لم تظلّل أحدا، وتوارى الأصحاب خلف ضباب الجفاء، فلم يبقَ في الميدان سوى طيف راحل يصارع خيوط الظلام الأخيرة.
كأن الأيام تقتص برفقٍ ثقيل؛ فلا الصّباح يُعرف من المساء، ولا الأنفاس تدرك إلى أين تمضي، سوى خطواتٍ قصيرة تتقاصى نحو الحتم المحتوم، وحياة تنكمش تدريجيًّا في زاوية النسيان، حيث لا ينفع مالٌ بُذل في غير حينه، ولا عروس وهمٍ خلت من رعاياها.
هكذا تذوب سَوْرة الغرور في رماد الأيام، فلا يبقى من صخب العرش سوى ظلٍ شاحبٍ يترقب أفق المغيب.
غُلَواء
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .