النّص: لَيْلَةٌ لَمْ يَنَمْ فِيهَا السُّعَالُ
بقلم الشاعر: مَنْدَاسْ غَرِيسِي / الْجَزَائِر
في قريةٍ
يُطيلُ الليلُ فيها خطاهُ،
ويختبئُ الطريقُ
خلفَ الجبال،
كانَ رجلٌ
يُصاحِب وحدتَهُ
حينَ نامتِ البيوت...
وكانَ في صدرِهِ
شيءٌ آخرُ
لم ينم.
كانَ السعالُ.
سَعَلَ...
فارتعشَ المصباحُ
فوقَ رأسِهِ،
كأنَّ اللهبَ الصغيرَ
خافَ عليهِ
من صوتِ صدرِهِ.
سَعَلَ ثانيةً...
فارتدَّ صوتُهُ
من جدرانِ الغرفةِ
كأنَّ صدرَهُ
صارَ كهفًا
وضاعَ فيهِ الصدى.
ثمَّ سَعَل...
ففتحَ عينيهِ على الليلِ
وهمس:
أهذا بردٌ مرَّ بي؟
أم أنَّ السنينَ
قد بدأتْ تتكلّم؟
لم يُجبهُ الليل.
فالليلُ لا يملكُ طبيبًا.
على الطاولةِ
كانتْ خمسُ فناجينَ
قد بردتْ قهوتُها،
وفي الزاويةِ
علبتانِ من السجائر
تنامانِ فوقَ رمادِ السنين.
نظرَ إليهما...
فبدتا لهُ
كأنهما شاهدانِ
يعرفانِ سرَّهُ.
قال:
كم مرّةً
أشعلتُكِ
ولم أفكّر
أنني كنتُ
أطفئُ شيئًا في داخلي؟
كم مرّةً
نفثتُ دخانَكِ
في وجهِ السماءِ،
ثمَّ عدتُ أبحثُ عن الهواء؟
سَعَلَ...
فاستيقظَ طفلٌ
في بيتٍ بعيد،
ثمَّ عادَ إلى حضنِ أمِّهِ.
وسَعَلَ...
فحرّكتِ الريحُ
بابًا خشبيًّا
كأنَّ القريةَ كلَّها
سمعتْهُ
ولم تعرفْ كيفَ تُجيبه.
أما هو...
فكانَ يسمعُ قلبَهُ
أوضحَ من أيِّ وقت.
دقّاتٌ...
ثمَّ سعال.
دقّاتٌ...
ثمَّ سعال.
وكأنَّ بينَ الضلعِ والضلعِ
ساعةً مكسورة
تعدُّ ما تبقّى
من الليل.
مدَّ يدَهُ إلى الماء...
شربَ.
انتظرَ قليلًا...
فعادَ السعال.
جلسَ...
فعادَ السعال.
استلقى...
فعادَ السعال.
فهمسَ:
يا جسدي...
ماذا تريد؟
ولم يكنْ في الغرفةِ
إلا الصمت.
لكنَّ الصمتَ هذه المرّة
كانَ لهُ جواب:
أريدُ أن تسمعني.
تذكّرَ الطبيب.
طبيبٌ بعيد...
بعيدٌ إلى حدّ
أن الطريقَ إليهِ
كان يحتاجُ نهارًا
كي يُقطع.
والليلُ
كانَ قد أغلقَ أبوابَهُ.
لا سيارةَ هناك،
ولا ضوءٌ على الطريق،
ولا يدٌ قريبةٌ
تقولُ له:
لا تخف.
فجلسَ وحدَهُ
بينَ الخوفِ والانتظار.
ولأولِ مرّةٍ
لم يكنْ يخافُ الموتَ...
كانَ يخافُ
أن يكونَ قد أضاعَ
أجملَ ما في الحياة
وهو يظنُّ أنَّ الوقتَ
دائمًا في صفِّهِ.
وقبلَ الفجرِ بقليل...
سكتَ السعالُ.
لم يفرح.
ظلَّ ينظرُ إلى الظلامِ
ويصغي...
كأنَّهُ ينتظرُ
أن يتكلّمَ صدرُهُ من جديد.
ثمَّ أطلَّ خيطُ الفجرِ
من شقِّ النافذة.
دخلَ الضوءُ
هادئًا...
كطبيبٍ تأخّرَ كثيرًا
لكنهُ وصل.
نظرَ الرجلُ إلى السيجارةِ
الأخيرةِ.
أشعلَها...
ثمَّ ظلَّ ينظرُ إليها.
ولمّا رأى النارَ
تلتهمُ طرفَها
فهمَ الحقيقةَ البسيطة:
بعضُ النيرانِ
لا تُدفئُ صاحبَها...
إنما تأكلُهُ ببطء.
أطفأها.
فتحَ النافذة.
دخلَ الصباح.
ولأولِ مرّةٍ منذُ سنوات...
لم يدخلِ الدخانُ مع الهواء.
دخلَ الهواءُ وحدَهُ.
فبكى.
لا لأنَّهُ كانَ ضعيفًا...
بل لأنَّهُ أدركَ
أنَّ الإنسانَ قد يحتاجُ
إلى ليلةٍ واحدةٍ من الخوف
كي يعرفَ قيمةَ
ألفِ صباحٍ لم يخَفْ فيها.
ومنذُ ذلكَ الصباح...
كلّما سمعَ سعالًا
في آخرِ القريةِ،
رفعَ رأسَهُ إلى السماءِ
وقال:
يا ربّ...
لا تجعلْ أجسادَنا
تصرخُ طويلًا
قبلَ أن نتعلّمَ الإصغاء.
حقيقية و من الواقع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .