«لَا أَحَدَ مَكْرُوهٌ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَقُولُ الحَقَّ».
— أَفْلَاطُون
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
عِنْدَمَا صَمَتَ… أَحَبُّوهُ...
كَانَ يَعِيشُ فِي عُزْلَةٍ كَامِلَةٍ، لَا لِأَنَّ المَدِينَةَ فَارِغَةٌ، بَلْ لِأَنَّهَا مُمْتَلِئَةٌ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ.
الأَسْوَاقُ تَضِجُّ، وَالأَصْوَاتُ تَتَشَابَكُ، وَالوُجُوهُ تَتَقَاطَعُ… وَهُوَ يَعْبُرُ بَيْنَهَا كَأَنَّهُ ظِلٌّ بِلَا صَاحِبٍ.
— مَا بِهِ هَذَا؟
قَالَهَا رَجُلٌ وَهُوَ يُرَاقِبُهُ يَعُدُّ النُّقُودَ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ.
— غَرِيبُ الأَطْوَارِ.
أَجَابَ آخَرُ، ثُمَّ ضَحِكَا بِلَا سَبَبٍ.
كَانَ إِنْسَانًا عَادِيًّا: يَأْكُلُ خُبْزَهُ، يَشْتَرِي حَاجَاتِهِ، وَيُحَيِّي النَّاسَ بِأَدَبٍ.
لَكِنَّهُ كَانَ مُصَابًا بِدَاءٍ نَادِرٍ: يَقُولُ مَا يَرَاهُ صَحِيحًا.
اقْتَرَبَ مِنْهُ صَدِيقٌ قَدِيمٌ، وَهَمَسَ بِنَبْرَةِ نُصْحٍ مَشُوبَةٍ بِالخَوْفِ:
— لِمَاذَا لَا تُجَامِلُ قَلِيلًا؟ الحَقِيقَةُ تُتْعِبُكَ.
ابْتَسَمَ وَقَالَ:
— وَأَنْتَ، لِمَاذَا تَكْذِبُ كَثِيرًا؟ أَلْكَذِبُ يُرِيحُكَ؟
فِي المَسَاءِ، جَلَسَ فِي المَقْهَى.
قَالَ النَّادِلُ:
— قَهْوَةٌ مُرَّةٌ؟
أَجَابَ:
— كَالْحَقِيقَةِ تَمَامًا.
تَوَقَّفَ النَّادِلُ، نَظَرَ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
— خَفِّفْهَا بِالسُّكَّرِ… النَّاسُ لَا تُحِبُّ المَرَارَةَ.
ضَحِكُوا مِنْهُ، ثُمَّ بَدَأُوا يَبْتَعِدُونَ.
حَتَّى أَقْرَبُهُمْ، صَارُوا يُغَيِّرُونَ الطَّرِيقَ حِينَ يَرَوْنَهُ.
قَالَتِ امْرَأَةٌ فِي السُّوقِ:
— هَذَا الرَّجُلُ يَفْضَحُ الأَشْيَاءَ!
وَقَالَ آخَرُ:
— بَلْ يُفْسِدُ عَلَيْنَا الطُّمَأْنِينَةَ.
وَفِي يَوْمٍ مَا، لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يُكَلِّمُهُ.
صَارَ وَحْدَهُ… تَمَامًا.
وَفِي اليَوْمِ الَّذِي صَمَتَ فِيهِ أَخِيرًا،
أَحَبَّهُ الجَمِيعُ...!!.
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
7.فبراير.2026م.