الأربعاء، 6 مايو 2026

حين يكتمل النسيج بقلم الراقي محمد شعوفي

 حين يكتمل النسيج:

بين لهب البداية وسكينة الذاكرة.


قبل أن أبدأ، أودّ أن أسألك سؤالاً واحداً:

هل وقفتَ يوماً أمام قطعة نسيج قديمة، فلاحظتَ كيف تتشابك خيوطها المتباينة لتصنع معاً لوحة لا تراها إلا حين تبتعد وتنظر إليها من بعيد؟

هكذا العمر تماماً.

أقف اليوم على تلة السنين، أنظر إلى الوراء فلا أرى مجرد أيام خلت، بل أرى مخاضاً طويلاً لولادة وعي جديد.

حين يدرك الإنسان أن الوجود ليس مجرد تعاقب للأيام، بل هو بناء معماري تشيده المواقف وتزيّنه الجراح قبل الأفراح، من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

أجلس الآن وقد هدأ الصخب الذي رافقني طويلاً.

أصغي لصدى الأيام وهي تمضي، خفيفة كالغيم في عبوره، وعميقة كالأثر الذي يتركه الوشم في سويداء القلب.

لم أكن أدري في البدء أن العمر نسيج يُحاك خيطاً خيطاً بمداد من الروح.

حتى وجدتُني اليوم أمسك بطرفه، أتأمل بذهول كيف تتشابك فيه الفصول، وكيف يتلون بين وهج الفرح وحرقة الوجع، بين حيرة السعي وطمأنينة التسليم.

أيقظتني شمس الصبا بنارها المتوهجة، فظننت أنني أمتلك الزمان والمكان.

جريتُ خلف كل سراب يلمع في الأفق، متوهماً أن البعيد طوع بنان من يمشي بقدم ثابتة ويقين لا يتزعزع.

كنت أحسب أن المستقبل قبضة تُغلق عليها اليدان بإحكام.

فإذا بي حين فتحتهما، لا أجد إلا رياح التوق تنفلت بين الأصابع كحبات رمل ناعمة.

أهو جنون ذاك الذي كان يدفعني لاقتحام المستحيل؟

نعم… لكنه كان جنوناً مقدساً يهب الروح وقودها، ويمنح الوجود معناه.

فلولاه ما غامرتُ بكسر الأغلال، ولا غرستُ قدمي في أرض المجهول، ولا طاردتُ حلماً واحداً بكل هذا العناد.

لم يكن الشباب يوماً مجرد رقم في تقويم زمني أصم.

بل كان نبضاً ثائراً يرفض السكون، وعطشاً وجودياً لا يرويه إلا الانخراط الكلي في لجة الحياة.

ثم ومع مرور الفصول، هدأت تلك الموجة العاتية شيئاً فشيئاً.

لم تنكسر فجأة، بل انسكبت كنسيم الفجر، تُلين صلابة اليقين بأسئلة جديدة تنشد الحقيقة لا الانتصار.

تعلّمتُ في مدرسة الأيام أن الألم ليس قصاصاً ولا عقاباً.

بل هو مرآة صقيلة تكشف لنا مكنونات القوة وعمق الاحتمال في أعماقنا.

وأن الفشل ليس سقوطاً في الهاوية.

بل هو محطة استراحة ضرورية يعيد فيها الإنسان ترتيب بوصلته وتصحيح خطاه.

كم من ليالٍ شتوية ظننتُها ضياعاً وتيهاً.

فإذا بها تربية خفية، تعلّمني كيف أصغي لصوت الصمت الصادق في داخلي، بعيداً عن ضجيج الأقنعة.

أدركتُ أن الحياة ليست محطات منفصلة يلغي بعضها بعضاً.

بل هي نغمة سيمفونية واحدة يتبدل إيقاعها ويزداد جمالها بتعدد طبقاتها.

الشباب بذرة الطموح تُزرع في تربة الحلم، لا يعرف صاحبها حين يزرعها أي شجرة ستكون.

والنضج امتداد الأثر، حين تبدأ الجذور تتحدث وتروي قصتها لمن يصغي.

والكهولة لحظة الاكتمال، حين يجلس الإنسان في ظل ما بناه ويشعر للمرة الأولى بثقل ما أنجز لا بثقل ما بقي.

والشيخوخة هي الحصاد الأخير الذي يفوح بعطر التجربة، حين تصبح الذاكرة أغنى من أي حاضر.

ومن ظن أن التقدم في العمر خسارة، فهو لم يدرك بعد أن القيمة الحقيقية تكمن فيما نحتفظ به في أرواحنا، لا فيما تفقده أجسادنا من نضارة.

الذكريات في شرعنا ليست أطلالاً نبكي فوقها.

بل هي مصابيح نعلّقها في دهاليز الزمن المعتمة لتنير لنا ما تبقى من الطريق.

هي الجوهر الذي يبقى صامداً حين يخف حمل الجسد وتسمو الروح نحو آفاقها العليا.

نمضي في هذه البسيطة كركب عابر تحت ضوء النجوم.

يحمل كل واحد منا حكايته الفريدة، ودهشته الأولى، وعبء اختياراته التي صنعت هويته.

في الصبا نغرس الجذور عميقاً في تربة الحلم.

وفي النضج نمد الأغصان لتطال عنان السماء.

وفي الكِبَر نترك الثمر الطيب لمن سيأتون بعدنا ليكملوا المسير.

ألا ترى الآن كيف يكتمل الخيط في هذا النسيج العظيم؟

كيف يتحول الماضي إلى درس بليغ؟

والحاضر إلى حالة من الامتنان العميق؟

والمستقبل إلى أثر خالد يمتد إلى ما وراء الغياب؟

ليست الغاية القصوى من الحياة أن تطول الأيام عدداً.

بل أن تمتلئ تلك الأيام بالمعنى والجوهر، بالندم الصادق الذي يهذّب الشوائب، وبالحب المطلق الذي يرفع الإنسان إلى مصاف النور، وبالدمعة التي تُطهّر الوجدان، وبالضحكة التي ترمّم ما انكسر من زجاج النفس.

عِشْ كل فصل من فصولك كأنه البداية البكر.

وكأنه أيضاً الخاتمة التي تلخص الوجود.

في الشباب اجعل حلمك أفقاً لا يحده حد.

وفي منتصف الطريق شيّد كيانك بثبات المبدعين لا بتردد العابرين.

وفي الختام احتفِ بكل لحظة كانت دون أن تُثقل كاهلك بندم لا يغني.

فالنهاية في منطق الروح ليست انطفاءً.

بل هي ذروة الاكتمال، تلك الصفحة التي تُطوى فيها الحكايات كزهور ياسمين دمشقية.

يبقى عطرها عالقاً بالمدى كلما مرت بها ذاكرة وفية.

لتهمس بصدق لمن يقتفون الأثر: كان الطريق وعراً ومليئاً بالشوك.

لكنه برغم كل شيء، كان جديراً بأن يُعاش بكل تفاصيله.

بقلم:

د. محمد شعوفي

06 مايو 2026م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .