بين الفناء والبقاء: حديث ما بعد الذات
تجليات الغياب في حضرة المعنى
لم أعد كما كنت، لأن " كنت" نفسها تراجعت عني حين تجلّى المعنى. صرت سؤالا بلا سائل، ونداء لا يعرف من يناديه، كأن الوجود يمرّ بي لا لأكونه بل لأُمحى فيه.
ناديته باسمي، فإذا الاسم حجاب بيني وبيني. وكلما ظننت أنني أقترب، رأيت الخطى تتخلى عني لتسبقني إلى الفناء. هناك فقط، حيث يسقط التعيين، أدركت أن القرب ليس مسافة بل زوال المسافة.
كنت أظنني أبحث عنه، فإذا به يبحث بي عني. وما أنا إلا أثر نظرته إذا التفتت إلى المعنى فيّ، ثم تجاوزتني إلى ما هو أوسع منّي.
في حضرة هذا التجلي، لا يبقى " أنا " إلا كظلّ فكرة انطفأت قبل أن تُفهم. وكل ما ظننته ثباتا كان تمرينا خفيا على المحو، حتى صرتُ أفهم الوجود كأنه يكتبني ثم يمسحني ليتأكد أن الحبر ليس أنا.
يا من لا يُحدّ، إنني حين أقول " أنت" ، أكون قد ابتعدت، وحين أصمت، أكون أقرب إلى ما لا يُقال. فدلّني عليك بي، لا بي إليك، فإني لم أعد أفرّق بين السالك والطريق، بين الذاكر والمذكور، بين الوجود ومن يظن أنه يوجد.
فإذا فنيت لم أغب،
وإذا غبت لم أكن،
وإذا لم أكن
فثمّة ما هو أصدق منّي يكتبني فيك دون أن أراه.
بقلمي فتي
حة نور عفراء
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .