أنا القَلَمْ
ما عُدتُ أكتبُ كي أُزيّنَ صفحةً أو أبتسمْ
أنا آخِرُ الناجينَ من وجعِ الحكايةِ والألَمْ
أنا القَلَمْ
منذُ النكبةِ السوداءِ أُولدُ كلَّ يومٍ من عَدَمْ
وأجرُّ خلفَ حروفيَ المنفيّةَ السوداءَ كالسِّيَرِ القِدَمْ
شهدتُ قافلةَ النزوحِ تسيرُ حافيةَ الخُطا
والريحُ تعصفُ بالرضيعِ وبالأراملِ والخِيَمْ
ورأيتُ مفتاحَ البيوتِ معلّقًا بيدِ العجوزِ
كأنّهُ وطنٌ صغيرٌ ضاعَ بينَ يدَي أُمَمْ
ورأيتُ طفلًا في المخيّمِ
كانَ يسألُ أمَّهُ:
أمّاهُ… هل حقًّا سنرجعُ؟
فارتجفَ الدعاءُ… ولم يُجِبْ
إلّا صدىً موجوعُ يختنقُ بالألَمْ
أنا القَلَمْ
أحشائيَ السوداءُ ليستْ حبرَ شاعرِ مُترَفٍ
لكنّها نارُ القرى لمّا تناثرتِ الحِمَمْ
هذا الدخانُ الخارجُ المحزونُ من صدري أنا
ليسَ الدخانَ… وإنّما أرواحُ غزّةَ حينَ ضاقَ بها العَدَمْ
أنا من كتبتُ على الجدارِ حكايةَ الزيتونِ لمّا
أحرقوا الأغصانَ وارتفعَ الرمادُ على القِمَمْ
أنا من سمعتُ القدسَ تبكي في الأذانِ إذا اعتلى
صوتُ الجنودِ على المآذنِ وانحنى وجهُ الحَرَمْ
ورأيتُ جنينًا وهيَ تخرجُ كالرصاصِ من الرُّكامْ
تشقُّ صدرَ الموتِ ثمّ تعودُ مزهوّةَ القَدَم
وغزّةُ…
ما غزّةٌ إلّا جحيمُ الأرضِ حينَ تكالبتْ
فوقَ الطفولةِ آلةُ الموتِ التي لا ترحمْ
غزّةُ التي نامتْ على صوتِ الطائراتِ ولم تَنَمْ
وغدتْ تُخبّئُ في ضلوعِ أطفالِها وجعَ الأُمَمْ
كم أمُّ شهيدٍ في الظلامِ تضمُّ قميصَهُ الدامي
وتبكيه حتى يرتجفَ الليلُ من وجعِ النَّدَمْ
كم طفلَةٍ سقطتْ ضفائرُها على أبوابِ خوفٍ موحشٍ
ونامتِ العينانِ فوقَ دفاترٍ قُتِلَتْ بها كلُّ الحُلُمْ
أنا القَلَمْ
لكنّني من شدّةِ الأحزانِ صرتُ كأنّني
وطنٌ يُفتّشُ في الخرابِ عنِ الرُّفاتِ وعن خِيَمْ
أكتبُ…
فتنزفُ الكلماتُ منّي كالشهيدِ إذا ارتقى
وأشمُّ رائحةَ الترابِ ممزوجةً بدمِ القِيَمْ
أكتبُ عن حيفا وعن يافا وعن بحرِ العنادْ
عن قُبلةِ البرتقالِ حينَ تشرّدَتْ خلفَ الألَمْ
أكتبُ عن الخليلِ كيفَ تنفّسَتْ وجعَ الحصارْ
وكيفَ ظلَّ المسجدُ الإبراهيميُّ الشريفُ يقاومُ الظُّلَمْ
أنا لا أُطرّزُ بالحروفِ قصائدًا ترضي الجموعْ
أنا إن كتبتُ فكلُّ حرفٍ في حروفي مُتَّهَمْ
متّهمٌ أنّي حملتُ فلسطينَ الجريحةَ في دمي
ورفضتُ أن تبقى الحقيقةُ سلعةً بيدِ الأُمَمْ
سيقولُ عنّي العابثونَ:
قصيدةٌ سوداءُ جدًّا
لكنّهم لا يعرفونَ بأنّ تحتَ السوادِ ينامُ فجرٌ مُبتسمْ
أنا ذلكَ القلمُ الذي
إنْ جفَّ حبرُهُ استحالَ إلى لهيبْ
وإذا تنفّسَ صارَ إعصارًا يزلزلُ من ظَلَمْ
في داخلي وطنٌ يثورُ
وفي سناني ألفُ ثائرْ
وفي دُخاني ألفُ أمٍّ لم تجدْ قبرًا يضُمّ لها الرِّمَمْ
يا أيّها التاريخُ قفْ
واخلعْ عباءةَ كذبِكَ الدوليِّ واكتبْ ما جرى
فالعارُ ليسَ على الضحيّةِ…
العارُ فوقَ جبينِ مَن صمتوا وصاروا كالعدمْ
سنعودُ…
مهما أرهقَ المحتلُّ أبوابَ الرجوعِ ومزّقَ الأحلامَ
وارتفعتْ جحافلُهُ السوداءُ تعصفُ كالحممْ
سنعودُ والزيتونُ يعرفُ أهلَهُ
والأرضُ تحفظُ خطوَنا
والقدسُ تعرفُ من أحبَّ ترابَها ممّن ظَلَمْ
وسيبقى هذا القلمْ
فوقَ الركامِ مُقاتلًا بحروفِهِ
حتى إذا انكسرَ القلمْ
هبّتْ من الحبرِ ال
جريحِ كتائبٌ
تتلو على وجهِ الزمانِ قصيدةَ الثأرِ العَظَمْ
بقلم
ناصر صالح أبو عمر
الخميس — 2026/05/07
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .