في زمنٍ يكثر فيه صُنّاع الحزن
لم تعد القسوة حدثًا استثنائيًا، بل تحوّلت إلى سلوكٍ عابرٍ يُمارسه البعض دون اكتراث، وكأنّ القلوب ليست أوعيةً هشّة، أو كأنّ الأرواح لا تُرهقها الكلمة حين تُقال في غير موضعها.
تضيق الأيام أحيانًا، لا لأنّ الحياة تضيق فعلًا، بل لأنّ ما يُضاف إليها من ثقلٍ بشريّ يجعلها أكثر قابليةً للانكسار. كلمةٌ قاسية، أو نظرةٌ عابرة، أو تدخّلٌ غير مطلوب… كفيلٌ بأن يُعمّق في الإنسان شعورًا كان يحاول النجاة منه بصمت.
لسنا بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التحليل، ولا إلى من يُجيد توصيف الألم ببلاغة، بقدر حاجتنا إلى من يُحسن التخفيف. فثمّة فرقٌ شاسع بين من يرى ما فيك… ومن يُضيف إليه.
الأمل، في جوهره، ليس فكرةً تُقال، ولا وهمًا يُسكّن الألم، بل هو فعلٌ دقيق يُمارَس في أبسط صوره: في كلمةٍ تُختار بعناية، في حضورٍ لا يُثقل، وفي إنصاتٍ لا يُقاطع. هو قدرة الإنسان على أن يكون خفيفًا في موضعٍ يزدحم بالثقل.
ولا تحتاج صناعة الأمل إلى أدواتٍ معقّدة، بل إلى وعيٍ كافٍ بأنّ لكل إنسانٍ معركته التي لا يراها أحد، وأنّ أقلّ ما يمكن تقديمه هو ألّا نكون عبئًا إضافيًا عليه. فبعض اللطف، حين يُقال في وقته، لا يُغيّر مزاجًا عابرًا فحسب، بل قد يُنقذ توازنًا كاملًا من الانهيار.
في المقابل، ليس كلّ ما يُقال بدافع الصراحة يُعدّ فضيلة، ولا كلّ تدخّلٍ بدافع الاهتمام يُحمد أثره. فثمّة حدودٌ رفيعة بين القرب الذي يُطمئن، والقرب الذي يُرهق، وبين الكلمة التي تُرمّم، وتلك التي تُعيد فتح ما كاد يلتئم.
الحياة أقصر من أن نُهدرها في إثقال بعضنا بعضًا، وأعمق من أن نمرّ بها دون أن نترك فيها أثرًا يليق بإنسانيتنا. وليس المطلوب أن نُصلح العالم، بل أن نُحسن العبور فيه دون أن نكسر أحدًا.
في النهاية، قد لا يتذكّر الناس تفاصيل ما قلناه، لكنّهم لن ينسوا أبدًا كيف جعلناهم يشعرون. وهنا تحديدًا يبدأ الأمل.
يكفي… أن تكون خفيفًا
على قلبٍ مُرهق.
حسين عبد الله الراشد
باحث ومحاضر في الوعي النفسي والإنساني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .