(ليس كل من لم يخرج بريئًا…
أحيانًا الحياد هو القرار الذي يصنع النتيجة.)
**النبض 39 – انفتاح الأزقة**
لم تنفتح الأزقة.
هي فقط توقفت عن الاختباء.
كان في الهواء شيء لا يُرى،
لكن الناس شعروا به كما يُشعر بتغيّر الطقس قبل العاصفة.
الرجل الذي اعتاد أن يمشي مطأطئ الرأس
رفع عينيه هذه المرة أطول من اللازم.
امرأة أسرعت في إغلاق بابها… ثم تركته مواربًا.
طفل سأل أباه:
— لماذا الشارع هادئ هكذا؟
الهدوء لم يكن سلامًا.
كان ترقّبًا.
---
خرج أبناء النبض فرادى.
لا كتلةً،
ولا صفًا.
كل واحد خرج وكأنه يتظاهر بأنه ذاهب لأمرٍ عادي.
لكن الأقدام كانت تعرف.
عند أول زاوية
تلاقى اثنان منهم دون موعد.
تبادلا نظرة قصيرة،
فيها اعتراف صامت:
لسنا وحدنا.
هذا الاعتراف
أخطر من أي شعار.
---
يحيى شعر بشيءٍ لم يعجبه.
لم يكن خوفًا هذه المرة،
بل إحساسًا بأن الأمور بدأت تتحرك
دون قدرة كاملة على السيطرة.
حين تخرج الفكرة من القبو
تفقد طاعتها.
رأى شابًا يسير بخطوات أسرع من اللازم.
آخر يهمس لثالث.
لم يكن هناك قائد حقيقي الآن.
كان هناك تيار.
والتيار لا يسأل أحدًا إن كان مستعدًا.
---
في منتصف أحد الأزقة
توقّف أحدهم فجأة.
قال بصوتٍ خافت لكنه حاد:
— وماذا لو لم يلتحق بنا أحد؟
السؤال اخترقهم.
لأن الاحتمال وارد.
أن يبقوا قلةً مكشوفة،
وأن تمرّ المدينة بجانبهم
كما تمرّ بجانب حادثٍ صغير.
لم يجب أحد.
لكنهم تابعوا السير.
ليس لأنهم واثقون،
بل لأن التراجع صار يجرح أكثر.
---
شيئًا فشيئًا
لم تعد الأزقة مجرد طرق ضيقة.
صارت مساحات اختبار.
نافذة انفتحت.
عينان تابعتا المشهد.
يدٌ أغلقت الستارة ببطء.
لم تكن المدينة معهم.
ولم تكن ضدهم.
كانت تراقب لتقرر.
وهذا هو الانفتاح الحقيقي:
أن تتحول النظرات إلى احتمال.
---
في لحظة غير متفق عليها
تجمّع خمسة منهم عند شارع أوسع.
لم يدعُ أحدٌ أحدًا.
لم يُنسَّق شيء.
لكنهم وجدوا أنفسهم هناك.
وهنا شعر يحيى بالخطر الحقيقي:
لم يعد السؤال
هل سنخرج؟
بل
ماذا سنفعل حين نُرى؟
لأن الرؤية
لا يمكن التراجع عنها.
الأرض تحت الأقدام لم تعد تبتلع الخطى،
بل صارت تُسجّلها.
---
مرت دورية ببطء.
لم تتوقف.
لكنها لم تُسرع.
النظرات تبادلت.
رسالة صامتة:
نحن نعلم.
ونحن ننتظر.
أحد أبناء النبض ابتلع ريقه.
قال:
— ربما هذه هي اللحظة.
لم تكن نبرة حماس.
كانت نبرة إدراك.
إدراك أن الفكرة
لم تعد تخصّهم وحدهم.
---
عندها فهم يحيى شيئًا مرعبًا:
الأزقة لا تنفتح حين تتسع،
بل حين يخرج منها ما كان مخبأ.
وما خرج الآن
لن يعود بسهولة.
رفع رأسه،
ورأى للمرة الأولى
أن المدينة لم تعد خلفهم.
كانت أمامهم.
كلها.
وهذا أخطر.
---
#الأثوري_محمد_عبدالمجيد.. 2026/5/6
#ملحمةُ_النبض_الأول، #أدب_عربي #فِكر_إلهام #غيّروا_هذا_النظام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .