وشاح العلو
قال لها:
يا قارئةَ الفنجان،
إن كنتِ تعرفين أين يختبئ الفرح،
ولماذا يتأخر عن قلوبٍ أنهكها الانتظار،
فأخبريني:
كيف تُرمَّم الأرواح حين تتشقق من الداخل؟
وكيف ينجو الإنسان من بيوت العنكبوت
التي تنسجها الخيبة فوق نوافذ أيامه؟
ابتسمتْ كأنها تعرف أكثر مما تقول،
ثم مرّرت أصابعها فوق حافة الفنجان وقالت:
الفرح لا يأتي من الغيب وحده،
بل من القلب حين يتصالح مع ندوبه.
والألم لا يختفي،
إنه يتحوّل أحيانًا إلى حكمةٍ خفيّة
تعلّم الروح كيف تمشي حافيةً فوق الرماد دون أن تحترق.
قال لها:
لكنّكِ تُقنعين الناس أن المصير مكتوبٌ في بقايا القهوة،
فكيف يصبح للفنجان هذا السلطان على خوف البشر؟
قالت:
أنا لا أقرأ المستقبل،
أنا أقرأ ارتجاف الأرواح.
كلُّ إنسانٍ يأتي إليّ يحمل ألف سؤال،
لكنه في الحقيقة يبحث عن جوابٍ واحد:
هل ما زال الله يراني وسط هذا التعب؟
فسكت طويلًا…
ثم سألها:
وكيف تكون الخاتمةُ نجاة؟
رفعت عينيها نحوه وقالت:
حين يفهم الإنسان
أن الإيمان ليس معرفةَ ما سيحدث،
بل الطمأنينةُ بأن كل ما يحدث
له معنى عند الله.
وأن الروح السامية
ليست تلك التي لم تنكسر أبدًا،
بل تلك التي انكسرت…
ثم عادت أكثر نورًا ورحمةً واتساعًا.
وأضافت بصوتٍ يشبه الدعاء:
لا أحد يملك مفاتيح الغيب،
لكن القلب المؤمن
حين يثق بالله،
يستطيع أن يحوّل الشقوق إلى منافذ للضوء،
والوحدة إلى تأمل،
والألم إلى طريقٍ خفيٍّ نحو السلام.
نحن لا نقاوم لأن الألم يختفي، بل لأن الإنسان خُلق وفي قلبه قدرةٌ على المعنى، حتى وسط الخراب.
إن الندوب ليست دائمًا علامة هزيمة؛ أحيانًا تكون الشاهد الأخير على أننا لم نستسلم للعتمة.
فالمقاومة الحقيقية ،ثباتٌ أخلاقي حين تتفكك القيم، وإيمانٌ هادئ حين يضيع اليقين، ورحمةٌ تُمارَس في زمن القسوة.
لم يُكلَّف الإنسان ببناء مدينة فاضلة كاملة، لأن الكمال ليس من شأن البشر، وإنما كُلِّف بالسعي إلى العدل بقدر استطاعته.
فالشريعة لم تأتِ لتصنع ملائكة، بل لتُهذّب ضعف الإنسان، وتفتح له باب التوبة، وتجعله قادرًا على أن يحمل النور ولو بيدٍ ترتجف. لذلك فإن مقاومة الضياع تبدأ من مقاومة النفس: أن لا يتحول الألم إلى ظلم، ولا الخيبة إلى قسوة، ولا الانكسار إلى عبث.
فتعلّمنا أن العالم لا يُشفى دفعةً واحدة، بل بفكرةٍ صادقة، وموقفٍ عادل، وإنسانٍ يرفض أن يتخلى عن إنسانيته.
فالمدينة الفاضلة ليست مكانًا جغرافيًا بقدر ما هي حالةٌ أخلاقية تُبنى كل يوم داخل الضمير. وحين تتفكك القيم، يصبح التمسك بالحق نوعًا من العبادة، ويصبح الصبر فعلًا حضاريًا لا مجرد احتمال للألم.
ولعل أعظم ما يقاوم به الإنسان ندوبه هو أن يفهم أن الجراح لا تُمحى دائمًا، لكنها قد تتحول إلى حكمة.
فالله لا يعدنا بحياة بلا ابتلاء، بل بقلبٍ قادر على العبور، وبنورٍ يكفي لئلا نضيع بالكامل. ولهذا، فإن خلاص الإنسان لا يكون في الهروب من العالم، بل في إصلاح ما يستطيع منه، ولو كان الإصلاح صغيرًا ككلمة حق، أو رحمةٍ عابرة، أو قلبٍ لم يسمح للكراهية أن تسكنه.
وهكذا، وسط ألف سؤال، يبقى الإيمان ليس جوابًا جاهزًا لكل شيء، بل قوةً تمنحنا القدرة على الاستمرار، وعلى أن نُقاوم، لا لأن العالم كامل، بل لأن الخير مهما بدا ضعيفًا ما يزال يستحق أن يُحمى.
ليبقى الإنسان يُصارع هذا العالم المثقل بالفوضى والخذلان، لكنه يدرك أن النجاة ليست بكثرة القوة، بل بنقاء القلب وصدق السعي.
فالله لا ينظر إلى صخب المظاهر، وطقوس العبادات ،بل إلى ما خفي في الأرواح من طُهرٍ وتقوى، ولذلك قال سبحانه:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فالله يصطفي الأنقى قلوبًا، والأصدق نيةً، والأرحم أثرًا، لأن التقوى ليست خوفًا فقط، بل نورٌ يحفظ الإنسان من أن يتحول إلى نسخةٍ أخرى من هذا الخراب.
ولهذا، مهما تكاثرت الندوب والأسئلة، سيبقى القلب الطاهر قادرًا على النجاة، لأن الأرواح النقية لا تهزمها قسوة العالم، بل ترتفع فوقها… وتمضي إلى الله مطمئنة.
الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .