السبت، 7 فبراير 2026

تغريبة الرمل في محجر الأبد بقلم الراقي عاشور مرواني

 تغريبةُ الرملِ في مِحجرِ الأبد

تقديم الشاعر

في هذه القصيدة لا أكتب نصًا بالمعنى المألوف، بل أحاول أن أفتح نافذةً على سؤالٍ وجوديّ ظلّ يرافقني طويلًا: ماذا يبقى من الإنسان وهو يعبر الزمن؟

“تغريبة الرمل في محجر الأبد” ليست رحلة في المكان، بل اغترابٌ في جوف الوقت نفسه، حيث يصبح الرمل رمزًا لتفتّت الكائن، ويغدو الأبد محجرًا قاسيًا تُسحق فيه المعاني كما تُسحق الأحجار. أردتُ أن أستحضر الإنسان وهو يمشي على حافة الفناء، مثقلًا بأسئلته، متأرجحًا بين الحضور والمحو.

اعتمدتُ في بناء النص على لغةٍ صخرية كثيفة: الساعة الصخرية، جدار الزمان، نخاع الرخام، الغبار والانهدام… لأنني أرى الزمن ليس فكرةً مجردة، بل مادةً قاسية تترك أثرها في الروح. فالوقت هنا ليس مرورًا لطيفًا، بل افتراسٌ بطيء، والحاضر قد يتحول إلى هشاشة شفافة، كجثةٍ في ثياب الزجاج.

كما حاولتُ أن أرسم صورة الإنسان المعاصر، الممزق بين ماضٍ يعضّ، ومستقبلٍ يتلاعب به الغبار، في مسارٍ يبدو أحيانًا كقطيعٍ يسير نحو هوّة الانطفاء. ومع ذلك، لم أرد للنص أن يكون استسلامًا كاملاً، بل بحثًا عن ومضةٍ داخلية، عن “رعد الروح” القادر على أن يبني من الموت جسرًا، ومن العتمة دارًا.

هذه القصيدة بالنسبة إليّ ليست إجابة، بل سؤالٌ مفتوح، وتأملٌ في معنى الوجود بوصفه انعكاسًا مراوغًا، وفي النهاية أترك للقارئ صدى السؤال الأخير:

هل لمحنا الوجه في الغيب… أم أننا بعناه في الطريق؟


القصيدة

عَلَى مَتْنِ نَصْلٍ مِنَ الأرْقامِ يَقْتاتُنا السَّفَرْ

خُطانا جِياعٌ، وَدَرْبُ الرُّموزِ لُغىً مِنْ حَجَرْ

هُنا الساعَةُ الصَّخْرِيَّةُ اسْتَلَبَتْ دَمْعَنا..

تَبْكي شَظايا الوُجودِ، وَتَذْرو رِمالَ القَدَرْ

صُوَرٌ ماراتونُها الرِّيحُ، تَهْوي كَأَوْراقِ صَمْتٍ

تُفَتِّشُ في العَدَمِ المَحْضِ عَنْ وَجْهِ مَنْ عَبَروا

جِدارُ الزَّمانِ تَشَقَّقَ، سالَ نُخاعُ الرُّخامِ

عَلى ثُقْبِ عَيْنَيْهِ تَقْتاتُ أَسْرابُ هٰذا الزِّمامِ

تَئِنُّ التَّضاريسُ تَحْتَ الماشي عَلى جَمْرِ نَبْضِهْ

دُروبٌ مِنَ اللازَوَرْدِ.. وَمِنْ لُجَّةِ الانْهِدامِ

فَماضٍ يُعَضُّ، وَحاضِرُنا جُثَّةٌ في ثيابِ الزُّجاجْ

وَوَجْهٌ لآتٍ.. غُبارٌ تَلَعَّبَ في كَفِّ ريحِ العَقَامِ

مَضى "كائِنُ الوَقْتِ" لِلأُفُقِ، يَنْفُضُ أَطْيافَهُ

يَجُرُّ وَراءَ المَدى في عَناءٍ.. أَسْلافَهُ

هُناكَ الشَّبابُ سَرابٌ بِآجُرِّ النُّورِ يُبْنى

وَهُنا الكُهولَةُ تَنْهَشُ في العَظْمِ أَوْصافَهُ

قَطيعٌ مِنَ الحَتْمِ يَمْشي إِلى هُوَّةِ الانْطِفاءِ

يُقايِضُ ذِكْرى قَديمَةْ.. وَيَسْتَجْدي إِنْصافَهُ

وَيا أَيُّها الرَّمْلُ! يا مِبْرَدَ الرُّوحِ في غِمْدِها

تُكَفِّنُ بِالصَّمْتِ طُفولَةَ عَهْدٍ.. وَعُبّادَها

تَسَرَّبَ في "مَخْنَقِ الدَّهْرِ" حَبّاً مِنَ الوَجْدِ حُبّاً

إِلى أَنْ يَجِفَّ "إِناءُ التَّجَلّي".. وَيَغْتالَ ميعادَها

فَيا ساعَةَ الجَيْبِ يا لُقْمَةً في فَمِ اليَأْسِ..

أَأَنْتِ احْتِضارُ المَسافَةِ؟ أَمْ كُنْتِ إيجادَها؟

كِتابٌ عَلى التُّرْبِ مُلْقىً، عُروقُهُ مِنْ غُبارْ

حُروفٌ تَشَظَّتْ لِتَسْكُنَ في وَحْشَةِ الارتِسامِ وَالمَزارْ

أَتِلْكَ المَزاميرُ؟ أَمْ هَلْ أَساطيرُ مَنْ أُعْدِموا؟

تَلاشَتْ سُطورُ الحَكايا.. وَغاصَتْ بِبُطْءٍ وَراءَ الغُبارْ

لٰكِنَّ في الرُّوحِ رَعْدٌ، يُسافِرُ خَلْفَ الأُفولْ

لِيَبْنِيَ مِنَ المَوْتِ جِسْراً.. وَمِنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ دارْ

فَيا أَيُّها السائِرُ المَحْضُ في لُجَّةِ "اللّاوَقْتْ"

أَلَمَحْتَ في الغَيْبِ وَجْهاً؟ أَمْ أَنَّكَ الوَجْهَ بِعْتْ؟

هِيَ الحِكْمَةُ المُرَّةُ في تَفَتُّتِ هٰذا الجَبَلْ

بِأَنَّ الوُجودَ "انْعِكاسٌ".. وَأَنَّكَ فيهِ انْخَدَعْتْ

قَصيدَةُ عُمْرٍ تُخَطُّ بِآهٍ.. وَضِحْكَةِ زَيْفٍ

وَفي آخِرِ السَّطْرِ.. تُمْحى كَأَنَّكَ ما كُنْتَ.. أَوْ كُ

نْتْ


الشاعر و الأديب عاشور مرواني – الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .