الجمعة، 6 فبراير 2026

يا سيد الثقلين بقلم الراقي السيد عبد الملك شاهين

 يا سيِّدَ الثَّقَلينِ


يا سيِّدَ الثَّقَلينِ يا عَلمَ الهُدى

يا مَن بهِ سُبُلُ النَّجاةِ تُدَلُّها


يا منبعَ الأخلاقِ حينَ تَكسَّرت

قيمُ البريّةِ فجئتَ تُرمِّمُ خَللَها


جئتَ الزمانَ ونورُهُ مُستَلبّسٌ

فغدا بطلعتِكَ الضياءُ مُكمِّلَها


ناديتَ بالإنسانِ قبلَ شِعارِه

فسمتْ بهِ الأرواحُ قبلَ مَحافلِها


علَّمتَنا أنَّ القويَّ مُهذَّبٌ

وأنَّ عزَّ الحقِّ أسمى مَوطِلِها


سنَّتكَ الغرّاءُ دستورُ العُلا

فيها الحياةُ بنبضِها وتفاصِلِها


في الحلمِ كنتَ إذا أساءَ مُسيءُهم

عفوًا يُزلزلُ حقدَهُ ويُقاتِلُها


وفي الشجاعةِ حينَ تُستَنفَرُ الدِّما

كنتَ الثباتَ إذا الجِباهُ تزلزلا


ما كنتَ فظًّا، بل رحيمَ بصيرةٍ

والرفقُ تاجُ القولِ حينَ تُجَادِلُها


يا من أقامَ اللهُ ذِكرَكَ شامخًا

والكونُ يخشعُ حينَ يُتلى فاضِلُها


نحنُ الذينَ على نهجِكَ سِرنا هُنا

جَدِّي، وبالعهدِ الأصيلِ نُواصلُها


أنا ابنُ حُسينِ العِزِّ من عليٍّ

من فاطمٍ، والزُّهرُ فيها مَنهَلُها


لا ننتسبْ للدماءِ فخرَ ادِّعاءٍ

لكنْ لنحملَ خُلقَها ونُفَعِّلُها


نستنُّ سنَّتَكَ المطهَّرةَ التي

بالعلمِ تُبنى أُمَّةٌ وتُكمَّلُها


ونحملُ الراياتِ، رايةَ عالمٍ

نورًا من العلمِ النبويِّ نَنهَلُها


فالعلمُ ميراثُ النبيِّ وسِرُّهُ

وبه القلوبُ من الضلالةِ تُفصَلُها


نمشي على خُطواتِ هَديكَ أُمَّةً

فيها الحياةُ تُصانُ لا تُبتَذَلُها


نحمي المقامَ، ونذبُّ عن سُنَنِه

قولًا إذا الكلماتُ كانت مِقْوَلَها


صلّى عليكَ اللهُ ما رفعتْ يدٌ

ترجو النجاةَ، وما استقامتْ سُبُلُها


صلّى عليكَ اللهُ ما فاحَ الثنا

ءُ

وما على نهجِ الهدى أقدامُنا سَلَكَت


السيد عبدالملك شاهين

رسول بقلم الراقي موفق محي الدين غزال

 رسول

*******

يمامتي 

رسولُ السّلامِ 

وغصنُ زيتونٍ 

وحبةً 

من رمالِ الغربةِ

وتعثرٌ وسفر 

وجديلةُ شعر 

أشقرَ 

وسبحةٌ 

ومنديلٌ مطرزٍ

بالورودِ 

وصورةٌ

 في ذاكرتي 

لتلكَ الصبيةِ 

على شاطئِ البحرِ 

ورصيفُ 

ميناءِ السّفرِ 

ودموعٌ تنهمرُ 

كلؤلؤٍ وجمانٍ 

ونوارسُ البحرِ 

تتراقصُ حَزنى 

على لحظةِ 

الفراقِ

ويمامتي 

ورسالةَ عشقٍ 

كتبتُها 

على جناحِها 

الأبيضَ

موقعةً بدمّي 

وعهدَ الهوى 

والحبِّ 

وعلى غصنِ الزيتونِ 

زرعتُ

 قبلةَ الوداعِ  

على أملِ اللقاءِ 

وتمضي السنون 

وما زالتْ

تنتظرُ على رصيفِ

الذكرياتِ 

تلوّحُ 

بمنديلِها الأبيضَ

وأنا أتحسرُ

على موعدٍ 

أو لقاءٍ 

أو سبيلٍ للرجوع 

*********

******

د. موفق محي الديّن غزال 

اللاذقية_سورية.

عربية تتكلم عن نفسها بقلم الراقي أحمد يوسف شاهين

 عربية تتكلم عن نفسها


عربيةٌ كشفت محاسنُ قلبها

قالت أنا 

و الكبرياءُ ردائي

و هويتي عربية 

حورية سكنت علا الجوزاءِ

عربية رسمت ملامح وجهها 

ويزيد من وهجِ الضياءُ ضياء

                 ****

وصفوني كالشمسِ وحمرةِ وجهها

و تبسمِ الشفق البعيد النائي

وصفوني كالبدر تمام كماله 

ولجيج شعشع بالإيمان ضياءُ

رفعوني بالتاج على الجوزاء

وضعوني بالقمة الشمَّاءُ

كالكوكب البراق وزع نوره ملأ الفؤاد

وأشعل الأجواء

                 ****

يا أيها الغربُ الذى غار وما

زال يَغَارُ من أنجمي وسمائي

انا أجمل القصص العظيمة كلها

وشموخها كالشجرة الخضراء

أنا إن نظرت إلى العيونِ ...سَحرّْتها

و قتلت بالسيف فؤاد الرائي


أحمد يوسف شاهين 

شاعر وأديب 

جمهورية مصر العربية

هذيان المعمار الأخير بقلم الراقي عاشور مرواني

 هذيانُ المِعمارِ الأخير: تجلياتُ الخالقِ في متاهاتِ السديمِ والرحمة

في البَدءِ كانَ الصمتُ يقتاتُ على نفسِه..

هناك، حيثُ يولدُ الوقتُ مصلوباً على جدارِ فكرةٍ لم تُنطق،

رأيتُ وجهي يمتدُّ كأطلالِ مدينةٍ غرقَت في حلمِ كوكبٍ منتحرٍ.

أنا لستُ طيناً خالصاً، ولا نوراً مجرداً، ولا حتى خرافةً عابرةً في ليلِ الأساطير..

أنا "المسافةُ" الشاسعةُ التي تفصلُ شهقةَ الوجودِ عن زفيرِ الفناءِ الأبديّ،

أنا المعنى الذي فرَّ من سطوةِ القواميسِ المحكمةِ ليختبئَ في تجاعيدِ صخرةٍ عمياءَ لا تنطقُ،

لكنها تحفظُ في صمتها أسرارَ أجيالٍ من البحثِ والتساؤل.

بينَ تلافيفِ هذه العتمةِ السرمديةِ.. تتراءى يدٌ خفية!

يدُ البارئِ الذي شقَّ من رحمِ العدمِ طريقاً للنبضِ الأوحدِ،

يدُ المصورِ الذي نقشَ في صخرةِ كينونتي المتآكلةِ ملامحَ لا تمحيها رياحُ النسيانِ مهما اشتدت.

تأمّلوا مسامِّي الباردةَ الصامتةَ..

أليست غرفاً لتعذيبِ الأسئلةِ العويصةِ التي لا تجدُ جواباً؟

بلى، لكنها أيضاً نوافذُ ضيقةٌ، ومشرعةٌ لرحمةٍ إلهيةٍ تتفجرُ وتتدفقُ من غيرِ استئذانٍ،

رحمةٍ وسعتْ كلَّ شظيةٍ فيّ، وكلَّ حجرٍ متآكلٍ نسيَ طعمَ الطينِ الأصيلِ الذي جُبلَ منه.

إنها رحمةٌ لا تدركها العقولُ، لكنها تلمسُ القلوبَ في أشدِّ لحظاتِ التيهِ والضياع.

يا أيها العابرون في ممرّاتِ وعيي المظلمةِ، المتشابكةِ كدروبِ المتاهاتِ الكونية..

احذروا الصدى، فهو لا يردُّ أصواتكم، بل يسرقُ هوياتكم،

ولكنْ لا تخشوهُ، فقد صارَ الآنَ ذِكراً، وتنهيدةً خفيّةً للرجوع.

هنا، القمرُ ليس مجردَ "نقطةِ تفتيشٍ" كونيةٍ أخيرةٍ للذاكرةِ الباليةِ،

بل هو مرآةٌ صافيةٌ، تعكسُ جمالَ مَن سوّاكَ فعدلكَ، وأقامكَ في أحسنِ تقويمٍ؛

فأنتَ أيقونةٌ من صنعِ المصورِ، وإن تلاشتْ معالمُها في غبارِ الزمن.

لماذا نبني المدنَ فوق ملامحِنا المتصدعةِ؟

لأننا نسينا أنَّ الله أقربُ إلينا من حبلِ هذه الأبنيةِ الشاهقةِ القابعةِ في الصدورِ المليئةِ بالأوهام،

نسينا أنَّ الفراغَ الذي يسكنُ تحت جلودِنا، ليسَ ثقباً أسودَ يبتلعُ الوجودَ،

بل هو محرابٌ خفيٌّ، ينتظرُ سجدةَ اليقينِ لتضيءَ أركانَه.

إنه الوهجُ الذي يُبدّدُ العدمَ، والرحمةُ التي تُعيدُ تشكيلَ كلِّ كائنٍ في هذا الفراغِ المترامي.

إنني أتفككُ..

لا بالمعنى الماديِّ المحدودِ، بل بالمعنى الذي يجهلهُ المنطقُ البشريُّ القاصر.

أطرافي أصبحت أعمدةً قوطيةً تلامسُ سماءً من زجاجٍ هشٍ،

وأنفاسي دخانٌ برتقاليٌّ يغلفُ جثةَ الأزلِ المستلقيةَ على رمالِ النسيان.

لكنّني في تفتتي هذا، لا أجدُ الفناءَ المطلقَ، بل أجدُ وحدةَ الخالقِ المطلقةَ؛

هو الذي يجمعُ الشتاتَ، ويوحّدُ المتناقضاتِ في تناغمٍ كونيٍّ لا يُدرك.

أنا "المعادلةُ" الوجوديةُ التي سقطَ منها الرقمُ صِفر، فبقيتْ تائهةً في بحرِ اللانهاية،

لكنْ أمسكتْ بها يدُ اللطيفِ، فأعادَ ترتيبَ أرقامها، ومنحها معنىً جديداً.

أنا "المبنى" الذي تاهَ بنّاؤه في زحمةِ الوعيِ واللاوعيِ،

فوجدَ في ظلالِ العرشِ الممتدةِ أمانَه الأبديَّ، وسكينتَه العميقةَ؛

إنه المكانُ الذي لا يضيقُ فيه صدرٌ، ولا تتوهُ فيه روحٌ،

بل تتجلى فيه عظمةُ البارئِ المصورِ في كلِّ تفصيلٍ وكلِّ كُنه.

يا وجعَ الحجرِ حين يحلمُ بالطيَرانِ في ملكوتِ اللهِ الواسع!

أبشر أيها الحجرُ الصامدُ في وجهِ الزمنِ، فإنَّ الخالقَ الذي صوّرَ الجناحَ في قلبِ الحشرةِ الضئيلةِ،

قادرٌ على أن يجعلَ من ركامكَ الهشِّ قصراً من نورٍ في سماءِ جلاله الذي لا يحدهُ وصف،

فرحمتهُ أوسعُ من كلِّ ضيقٍ، وأعظمُ من كلِّ خيالٍ بشريٍّ مهما اتسع.

نحنُ لسنا مجردَ "استعاراتٍ" مكنيةٍ في قصيدةٍ مزقها غضبٌ مزعوم،

بل نحنُ "آياتٌ" خالدةٌ، رسمها المصورُ بحكمةٍ بالغةٍ لا يخطئها تدبير،

وغلّفها برحمةٍ لا تضيقُ بذنبٍ، ولا يحدّها يأسٌ؛

رحمةٌ تسري في كلِّ ذرةٍ، وتتغلغلُ في كلِّ نفسٍ، وتُعيدُ بناءَ ما تهدمَ من أمل.

في النهايةِ.. أو فيما يشبه الشروقَ السرمديَّ الذي لا تغيبُ شمسُه..

لن أبقى نصفَ وجهٍ متصدّعٍ، ولا نصفَ مدينةٍ مهجورةٍ،

بل سأكونُ كُلّي في قبضةِ مَن خلقَ فسوى، ومَن قدّرَ فهدى، ومَن صورَ فأبدعَ.

سأدعُ الكون يلتهمُ ذيله في دوامةِ الوجودِ المستمرةِ،

وسأبتسمُ للخلودِ، لليقينِ الذي يغمرُ كلَّ شيء،

لأنني أدركتُ أخيراً، أنَّ الوجودَ ليس نكتةً فلسفيةً عابرةً، بل هو "تجليٌ" مستمرٌّ لعظمةِ البارئِ المصورِ،

وأنَّ العَدَمَ لا يضحكُ بسخريةٍ، بل يسجدُ خاشعاً أمامَ سعةِ رحمةِ الله التي لا يحدها حدٌّ

 ولا نهاية.


الشاعر و الأديب عاشور مرواني – الجزائر

الخميس، 5 فبراير 2026

ظلال وهجوع بقلم الراقي جمال بودرع

 ظِلالٌ وَهُــجُوع/


يَشْكُو الحَيَاةَ، وَمَا بِهَا شَقَاهُ

وَمَا شَقَا الحَيَاةَ سِوَاهُ

يَلُومُ الزَّمَانَ وَفِي يَدَيْهِ

مَفَاتِيحُ أَيَّامٍ أَضَاعَتْ سَنَاهُ

يُرَتِّلُ وَجْعَهُ فِي كُلِّ صَبَاحٍ

كَأَنَّهُ اخْتَارَهُ دُونَ سِوَاهُ

فَإِنْ ضَاقَ دَرْبُهُ قَالَ: قَدَرِي

وَمَا كَانَ قَدَرُهُ إِلَّا هَوَاهُ

وَمَا خَانَ الصَّبْرُ يَوْمًا صَاحِبًا

وَلٰكِنَّ العَجَلَ اسْتَبَاحَ رِضَاهُ

فَإِنْ أَبْصَرَ الإِنْسَانُ وَجْهَ خَطِيئَتِهِ

تَبَدَّدَ لَيْلُ الوَجْعِ وَانْجَلَى عَمَاهُ

وَمَا الحَيَاةُ عَدُوًّا لِمَنْ وَعَاهَا

وَلٰكِنَّ الجَهْلَ اسْتَفَزَّ خُطَاهُ

فَخُذْ مِنْ سُقُوطِكَ سُلَّمَ نَجَاةٍ

وَمَا كَانَ السُّقُوطُ سِوَى دَرْبِ عُلَاهُ


بقلم :جمال بودرع (رَجُلٌ مِنَ الزَّمَنِ الغَابِرِ)

دهاليز الغشاوة بقلم الراقي طاهر عرابي

 „دهاليز الغشاوة“ 


قصة قصيرة رمزية

بقلم: طاهر عرابي

(دريسدن — كُتبت عام 2023 ونُقّحت في 05.02.2026)


قال الغراب مستهزئًا، وهو يتراقص فرحًا وفي نيته التعالي وتوبيخ العندليب:

— مازال نشيدك كما هو، لا لحن فيه، وكأنك ابتلعت طيورًا أخرى غريبة الأصوات تهرسها في حلقك قبل أن تصيح بها… ألا تستطيع لحنًا جديدًا؟

أين صوتك الخاص؟ أين ما يميزك؟

العاقل يعرف أنك محتال، والجاهل يظنك مبدعًا، وأنت لست كذلك. كم طيرًا ابتلعت لتنشد سمفونية قهرهم؟

ترأف بنفسك، ولا تجعل الغباء يقود رؤيتك.


أجاب العندليب بصوت هادئ وحازم:

— لن أدخل معك في قضية تخصني، ولن أنجر وراء غرورك. بلى، أستطيع… لكن هل وُهِبت أذنين جديدتين لتحسّا التغيير الذي تطلبه مني؟

وإن كنت ترى أنني أبتلع الطيور، فما يمنعك أن تبتلع ما تشاء وتغرد مثل البقية، وترحمنا من نعيقك؟

ما تفعله تحرّش واضح: اتهام، وانتقاص، واعتداء على مكوناتي. ألا تخشى القانون ومطرقة تدق على صفيحة التاريخ لتنصر الحق وتترك نفسك مهزوماً؟


انتفض الغراب، وسقط ريش من جناحه الأيسر، وازداد لون جناحيه تموّجًا بين الرمادي والأسود، وقال بصوت مخنوق:

— وأنت، ألا تحتاج أذنين غير ما لديك لتتأكد أن غنائي ليس نعيقًا؟

لو بدأت الآن بصوت مختلف، لا أجمل، بل مختلف عما تسرقه أنت من الطيور الغريبة… فكيف تضمن لي فهمك واستيعابك؟

وكما تعلم، الفرادة في الإبداع شيء تقدسه المخلوقات.


طار العندليب محلّقًا فوق رأس الغراب، ووقف أمامه وجهًا لوجه وقال:

— هذه وقاحة! أنا أطلب تبديل أذنيك لتسمع لحني، وأنت تطلب مني الشيء ذاته. يا لها من سخافة تهز عرش الهزل.

أرى أن الافتراق أجمل الحلول؛ فحين يُجاب الطلب بمثله، يموت العجب، ويغدو الحوار بلا جدوى.


وتجادلا طويلًا بين سؤال وسؤال، حتى اتفقا معًا:

«من يطلب التغيير، عليه أن يتحمّل العواقب… فلكل طلب ثمن».

ورفعوا شعارًا: التغيير الصادق ليس طلبًا، بل تعبير عن امتنان؛ لا يُفرض، بل يُرجى.


سحب الغراب طلبه، واختار العندليب أن يُبقي على نشيده كما هو:

— لا تجديد يُملى عليه من شهوات الآخرين.


وقال العندليب، محاولًا تهدئة تخبّط الغراب:

— الفهم، يا صديقي، ليس خصومة ولا رضًا؛ إنه طريق للخروج من نزاع بلا ركائز، ولا يمكن تبديل ما خُلق فينا.


طار كلٌّ منهما إلى غصنه، وعمّ السلام… غير أن شرخًا خفيًا بقي في الأفق.


في اليوم التالي، أفاقا على نقيق ضفدع يشرّد نجوم الصباح، ويثقل الندى بمصير غامض.

قطرات تنزلق على الأوراق الخضراء كمطرٍ تائه، بلا نغم، بلا لحن، ولا يشبه حتى الصمت في ساعة الرجاء.

نقيق كأنه نذير، لا يسمّي ما سيأتي، لكنه يترك الأعشاش مضطربة والريح تائهة.


قال العندليب متأففًا:

— واأسفاه! أضاع الغراب نهاره بالأمس وهو يناقشني، ولم يلتفت إلى هذا النقيق الذي يصمّ الآذان ويغلق وجه الصباح قبل تحيته.

ثم أضاف، مترددًا:

— بعض الأصوات، لو حاولت أن تتغير، لانكسرت.


قال الغراب:

— لا أوافقك. للضفدع صوت خاص، ولا يمكنك تقليده. ومن لا يستطيع التقليد، لا يحق له الانتقاد.


وأضاف بهدوء:

— ينقّ دقيقة، ثم يمضي لشأنه. صوته يذكّرني بقدوم المطر، والمطر بركة.

— أما صوتك، فيشبه الأعراس دون عروس. هل بدأت تفهم سبب نفوري منك بالأمس؟


اشتدّ النقاش وخرج عن حدوده، وكاد يتحوّل إلى عراك.

التقط الغراب عصًا، وانحنى العندليب يلتقط حصاة.


قالت السلحفاة، تراقبهما بعينين متعبتين:

— أنصتوا. لكلٍّ صوته، ولم يختره بنفسه. خُلقنا هكذا. ولو غيّر أحدكم صوته لما اكتفى، بل سعى إلى تغيير جناحيه ووجهه وربما ساقيه.

العبث بهذا التوازن يحوّل الغراب جملًا، والعندليب حصانًا، ويجعل العالم مسرحًا مشوّهًا.


التفت الغراب إليها بحدّة:

— أنتِ لا تسمعين، وليس لكِ صوت. حديثك اتهام لا حكمة. كيف لقوقعة أن تنتقد الريش؟


سحبت السلحفاة رأسها قليلًا، وقالت بهدوء:

— على عينيك غشاوة… صلبة، لا شقوق فيها لترى الواقع.


ارتعب الغراب:

— غشاوة؟ أنا أرى كما كنت أرى!


ضحك العندليب ضحكة خافتة:

— ليست غشاوة العين، بل غشاوة العقل… وغشاوة التكبر. ما أبشع أن تعيش في ظلال سوداء ولا تراها.

منذ الأمس وأنت مغيّب عن الواقع. استشر غرابًا مثلك، لعلّه يحميك من غرورك ويزيح الغشاوة.


تشبّثوا بمواقفهم، ولم يتزحزحوا عن اتهاماتهم الثقيلة.

دخل الغرور منطقة الخطر، وهذا ما شعرت به السلحفاة:

— ليست الأرض خالية من الشقاء، وأنتم مرفّهون. الحقيقة أثقل من نقاش ينتهي باعتذار مؤجَّل. أخشى عليكم، ولحمكم لا يحميه سوى ريش رقيق من المطر والريح. ترأفوا بقدرتكم على البقاء.


فجأة، انقطع صوتها بصخب غريب. لم يكن نزاعًا حول الأصوات، بل صخبًا ينزع الحياة نفسها، ويجعل الخوف جسدًا يتمدّد ويخنق بلا رحمة.


كان ثعبانان يركضان خلف فأر صغير.


قال أحدهما:

— إذا قبضنا عليه معًا، نقسمه نصفين ليأخذ كلٌّ نصيبه.


رد الآخر:

— صحيح، وأنا صادق في وعدي؛ فكن صادقًا أنت أيضًا.


سمع الفأر كلامهما، فارتعد خوفًا وانسلّ مسرعًا خلف ضفدع قريب.


فهم الضفدع الموقف، وقال بهدوء:

— تريدان قسمته، لكنه ابتلع حجرًا. كيف ستقسمان الحجر؟


توقف الثعبانان لحظة، ثم قال أحدهما:

— سنتركه ونعود أدراجنا.


وهكذا، انطفأ الخطر، وكانت الصداقة على المحك، والكلمة الواحدة قد أنقذتها.


اختبأ الفأر، ثم همس لنفسه:


— الألم يشبه بستانًا… فيه عنب وحلاوته، وفيه شوك يلسع كما يلسع الزمن. فيه شمس حارة وظلال وارفة.

لا يمكن أن يكون الألم مغلقًا، لابد من نوافذ ولو كانت بستائر سوداء. علينا إزاحتها، وإدخال الهواء والضوء، وإلا يتحول الألم إلى قبر يبتلع ما تبقى من النفس.

الألم الشديد، إذا بقي مع صاحبه، يصبح قوة مضاعفة… لكننا نستطيع تفكيكه مع أصدقاء لا نخشى فضيحته أمامهم. معاييرهم لا تؤلم، بل تكشف أنك شفيت.

حدث الناس عن ألمك، ولا تخف من الكلمات التي تحوم حولك. الكشف عن الألم هو أول خطوة نحو الحرية.


ساد الصمت.


تنهدت السلحفاة داخل قوقعتها، وارتجفت خفيفة، كأنها تلمس أثر موتٍ توقّف فجأة بحيلة ذكية.

— تتجلى القوة في مواجهة التحديات، لا في تقويم الأصوات.

الانشغال بجودتها ضعف في فهم العالم.

لا يحق لأي طائر أن يمحو صفات غيره، فالغرور مع السلطة يجعلنا جميعًا عرضة لقوى أكبر.


مسحت دموعها، ونظرت إلى الغراب. نكس رأسه وتململ.

لكن العندليب سبقه بالكلام:

— إن استمرّ هذا، سأبدأ بالخوف. كيف نتهم بعضنا، والواقع أشد مرارة؟ ماذا لو فشلت حيلة الضفدع، وقُسّم الفأر نصفين؟


ثلاثتهم فرّوا في دهاليز عقولهم، وعمّ صمت مخيف.

أسدل الليل ستاره، وغاب الغراب في سواد ريشه، وبقيت عيناه تلمعان كنجم صغير.

شعر أنه أخطأ في دهاليز الغشاوة، وربما يقف الآن على دهليز آخر تحته هاوية، يخشى السقوط وخسارة أصدقائه بلا سبب، بعد اعتداءه على جسده وكرامته وعلمه.


قالت السلحفاة بصوت منذر:

— احذر أيها الغراب؛ خلفك ثعلب، وأمامك أفعى، وفوقك حجر ساقط. ليتك جعلت من عيني العندليب إنذارًا، لا خصومة.

أما أنا، فسأدخل قوقعتِي… ولا أعلم إن طلع الصبح، وكنا أقرب إلى الحقيقة.


صرخ الغراب:

— سيدتي الحكيمة، ما هي الحقيقة؟


أجابت ثم اختفت:

— صوتك ليس لك، وأنت لست صانعه. وما خرج عاقل من دهاليز الغرور إلا وكان ضحيته.

أسرع إلى العندليب واعتذر؛ ففي الاعتذار طريق لا تعرفه الغشاوة. حتى في الدهاليز توجد شباك تحجب الروح، فاحذر شباكًا تصنعه لنفسك لتتمرد.


دريسدن- طاهر عرابي

الحياة بقلم الراقية سلمى الأسعد

 الحياة

وإذا نظرت إلى الحياة وجدتها


حلماً سريعاً غامضَ التفسيرِ


أنعيشُها حقاً بكلّ وداعةٍ


َونعايشُ الاحداثَ بالتدبيرِ


أم أنها فرضتْ علينا حكمَها


أمراً يُسيّرنا بلا تفكيرِ


يا ويلَ من جارت عليه حياتهً


لا يهتدي لمُخلّصّ ونصيرِ


وإذا أحبت أن يشعّ جمالُها


أعطت وجادت بعد كل عسيرِ


لا يستطيع المرءُ درءَ صعابَها


واخشوشنت ولم تجُدْ بيسيرِ


فليصبرِ الإنسانُ إن قاسَى الضنى


يُفت

حْ له بابُ الهدى والنورِ

انت فخري بقلم الراقية آمنة ناجي الموشكي

 أنت فخري.د.آمنة الموشكي


دمت ياموطني العظيم

                 بلسم القلب والبدنْ

يانشيدا يهزني

               حينما يسحق المحنْ

ياورودا زرعتها

                في بساتين ذي يرنْ

يارياحين مهجتي

               رغم الاهوال والفتنْ

أنت ناظر نواظري

                أنت ياروضي الأغن

أنت فخري وهل ترى

                ما بقلبي من المننْ؟

حين ألقاك شامخا

              رافض الشح والوهنْ

قائلا لي تقدمي

               وارفعي راية الوطنْ

كل بلقيس تنتمي

                بالتسامي إلى اليمنْ

وهي من فرط حبها

                     للبساتين والفننْ

تزرع الخير منحةً

                    للمواطن بكل فنْ

أيها الموطن العظيم

                دمت أيقونة الزمنْ


آمنة ناجي الموشكي

اليمن ٥. ٢. ٢٠٢٦م

أين نحن الآن بقلم الراقي محمد ابراهيم

 (( أين نحن الآن ))

ضقت ذرعا لم أعد أفقه شيا

صبحنا ماعاد ....صبحا يعربيا

وصحابي بدلوا ....... جلبابهم

وارتدوا ثوبا ......غريبا أجنبيا

وتناسوا لغة.......... الضاد التي

جعلت من أرضنا .طودا عصيا

داهمتنا ألف أفعى ..... سممت

فكرناالسامي وقد كان .... نقيا

أين نحن الآن من شعب عريق

عربي رابط الجأ ش ...... قويا

كيف أصبحنا ضعافا ..... هكذا

نطلب النجدة ....صبحا وعشيا

نحن من كان في الهيجا اسودا

نرهب الأعداء ..لا نخشى عتيا

نحن كنا ... أمة .........معطاءة

فتعالوا نرجع..... الماضي سويا 

نهب النور .........ونمضي قدما

ثم نبني صرح..... فجر مشرقيا

.........................

الشاعر: محمد ابراهيم ابراهيم

سوريا

5/2/2026

من رسائلي إليه بقلم الراقية نادية نواصر

 من رسائلي إليه 

نادية نواصر


ياعاشقي 

وانت تجتاحني 

تحتل قلاعي 

وحصوني 

هذه الروح

صلوات الرب 

في محراب عينيك 


قل لليلك المجنون رفقا بي 

هذا الصدر الهش 

يناشدك الصبر 

وهذه الروح الولهى 

تفقد اتزانها

كيف لي أن امشي إلى ثباتي 

وأنت ارتجاحي المسمى؟

كيف لي ان أعود إلي 

وأنت سرقتني مني 

جردتني من صوابي 

فمشيت إلى صدرك 

في ليل تعرى 

ولم يهتد 

كيف لي أن اكونني 

وأنا صرتك 

وأصبحتك 

يا كلني 

مال شمالي لجنوبي 

ومال شرقي لغربي 

وخانني وضوح الرؤية 

فأنا لا أتقن إلا لغة خفقك 

ولا أرى إلا بعينيك

ظل الشارع بقلم الراقية زينة الهمامي

 *** ظل الشارع ***


الشارع طويل

كأنه لا ينتهي

يمدّ ظهره للذاكرة

ويخفي نهايته عن العيون

شبه مظلم

ليس لأن الليل كثيف،

بل لأن الضوء تعب

واختار الصمت

مصابيح الإنارة معطّبة

تتدلّى كقلوبٍ

فقدت سبب الخفقان

تومض أحيانًا،

ثم تتذكر خيبتها

خالٍ من المارة

المدينة سحبت كل الحضور

وتركتني وحدي

لأتحمّل الاعتراف

أسير دون وجه

أتحسس ظلّي

فلا أعرف إن كان لي،

أم بقايا شخصٍ عبر قبلي

أبحث عن ذكرى

عن شيءٍ يثبت

أنني كنت هنا حقًا

ولست مجرد عبور

عن ابتسامة سقطت هنا

كبرت ثم ذبلت

دون أن تشرق

عن نبضة كانت

تدق في جدار الصدر

قبل أن تتعلم القلوب

كيف تتباطأ كي لا تنكسر

عن وردة هنا

ما زالت تحفظ شكل اليد

التي وعدتها بالعودة

ونسيت

كنا تركناها

نصف حلمٍ

ونصف خوف

ومكانًا مفتوحًا للريح

عندما غادرنا فجأة

كأن الرحيل قرار

اتخذه الطريق،

لا أقدامنا

ولا نوايانا

قبل موسم الاحتراق

حين كانت النجاة ممكنة

وكان الوقت

أكثر رحمة

عن آهة وجع

اختبأت

كي لا تُسمع

ما زالت مخفية

تتنفس ببطء

وتعدّ السنين

خطوةً خطوة

في إحدى الزوايا

حيث تتراكم الأسئلة

وتتآكل الإجابات

بصمت

هل عدت أنا،

أم أن العودة وهم

يغذي الانتظار

ليواصل سيره؟

وكل هذا

مجرد دورانٍ

حول ذات النقطة

وظلت روحي عالقة

بين خطوة لم تُكمل

وباب لم يُغلق

تمامًا

تنتظر لحظة انعتاق

لا تشبه الخلاص

بل تشبه الفهم

حين أدرك فجأة

أن الشارع لم يكن طويلًا

ولا مظلمًا

ولا خاليًا

وأنني

كنت أنا

الذكرى…

بقلمي: زينة الهمامي تونس

يا نسمة الصباح بقلم الراقي عماد فاضل

 با نسْمَة الصّبْح

دِيسَتْ مَبَادِئُنَا وَاسْتَوْحَشَ النّاسُ

مَا عَادَ يَشْرَحُ مَعْنَى الحُبًِ إحْسَاسُ

إنَّ الضَمَائِرَ قدْ حَلَّ الضّلَالُ بِهَا

وَصَفّدَ البَسَمَاتِ الهَمُّ وَالبَاسُ

يَا زَارِعَ الشّرِّ حَاذِرْ مِنْ عَوَاقِبِهِ

فَالشّرًُ عُقْبَاهُ أوْزَارٌ وَإفْلَاسُ

تُنْعَى القُلُوبُ وَقَدْ أوْدَى الغُرُورُ بِهَا

وأفْسَدَ الودّ بَيْنَ النّاسِ وَسْوَاسُ

وَأصْبَحَتْ فِي مَهَبّ الرّيحِ ذَاهِبَةً

بَيْن الوَرَى ثِقَةٌ وَالعِرْقُ دَسّاسُ

أَهْلَ الهَوَى بِالهَوَى مَاتَتْ مَشَاعِرُهُمْ

وَقَاطَعَ اللّيْلَ قنْدِيلٌ وَنِبْرَاسُ

يَا نَسْمَةَ الصّبْحِ هُبّي فِي الزّمَانِ فَقدْ

بَاتَتْ تضِيقُ منَ الأحْوَالِ أنْفَاسُ


بقلمي : عماد فاضل(س . ح)


البلد : الجزائر

لم لا نفهم بقلم الراقي عبد الصاحب الأميري

لم لا نفهم
عبدالصاحب الأميري 
السفير عبدالصاحب أميري 
&&&&&&&&&&&&&&&&
أوشك الحلم، حلمي، أن ينتهي حين أحسست بألم شديدكزلزال هزّ قلبي 
كاد يرسلني لعالم ثاني، 
يطوي صفحاتي 
رأيت بأم عيني جنازتي
سقط القلم من يدي
أسرعت إلى سلة الدواء،
الفزع استولى على أعصابي 
صرخت بأعلى صوتي 
 دعوني،، أنتهي من قصيدتي
عشرون عاما وأنا من القلب أعاني
 وأنا لا أدرك،
 لا أفهم، 
لا أحاسب نفسي
لا أندم  
أنا الشيخ الكبير، أحمل سنوات عمري على ظهري
أحلم بمرضي، 
أوشك العمر أن ينتهي، 
متى أسدد ديوني 
لا وقت عندي 
إن أتى لا يوجل
أحلم في يقظتي
أحلم في صحوتي
حين أمارس عملي
أتناول طعامي
حين أصلي، أمارس طقوسي
 ها أنا الآن أحلم، وانا أنظم قصيدتي 
لا أدري ياصديقي،
إن كنت أعلم 
العمر يعدحلماََ
لابدّ أن ينتهي يوما
قد ينتهي الساعة أو غدا
كاد عمري أن ينتهي. َو أحلامي تموت
 لو لم أتناول دوائي
مرضي بالموت يهددني
لم لا أفهم 
 عشرون عاما حاربته،،، 
 ديوني لا زالت ديون،، 
من يسدد بعدي
لا أحد
لا بدّ أن نعلم
الدنيا حلم،،
توثق،، تسجل،، على أثرها نحاسب،
لم لا نفهم

السفير عبدالصاحب الأميري ، العراق