„دهاليز الغشاوة“
قصة قصيرة رمزية
بقلم: طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت عام 2023 ونُقّحت في 05.02.2026)
قال الغراب مستهزئًا، وهو يتراقص فرحًا وفي نيته التعالي وتوبيخ العندليب:
— مازال نشيدك كما هو، لا لحن فيه، وكأنك ابتلعت طيورًا أخرى غريبة الأصوات تهرسها في حلقك قبل أن تصيح بها… ألا تستطيع لحنًا جديدًا؟
أين صوتك الخاص؟ أين ما يميزك؟
العاقل يعرف أنك محتال، والجاهل يظنك مبدعًا، وأنت لست كذلك. كم طيرًا ابتلعت لتنشد سمفونية قهرهم؟
ترأف بنفسك، ولا تجعل الغباء يقود رؤيتك.
أجاب العندليب بصوت هادئ وحازم:
— لن أدخل معك في قضية تخصني، ولن أنجر وراء غرورك. بلى، أستطيع… لكن هل وُهِبت أذنين جديدتين لتحسّا التغيير الذي تطلبه مني؟
وإن كنت ترى أنني أبتلع الطيور، فما يمنعك أن تبتلع ما تشاء وتغرد مثل البقية، وترحمنا من نعيقك؟
ما تفعله تحرّش واضح: اتهام، وانتقاص، واعتداء على مكوناتي. ألا تخشى القانون ومطرقة تدق على صفيحة التاريخ لتنصر الحق وتترك نفسك مهزوماً؟
انتفض الغراب، وسقط ريش من جناحه الأيسر، وازداد لون جناحيه تموّجًا بين الرمادي والأسود، وقال بصوت مخنوق:
— وأنت، ألا تحتاج أذنين غير ما لديك لتتأكد أن غنائي ليس نعيقًا؟
لو بدأت الآن بصوت مختلف، لا أجمل، بل مختلف عما تسرقه أنت من الطيور الغريبة… فكيف تضمن لي فهمك واستيعابك؟
وكما تعلم، الفرادة في الإبداع شيء تقدسه المخلوقات.
طار العندليب محلّقًا فوق رأس الغراب، ووقف أمامه وجهًا لوجه وقال:
— هذه وقاحة! أنا أطلب تبديل أذنيك لتسمع لحني، وأنت تطلب مني الشيء ذاته. يا لها من سخافة تهز عرش الهزل.
أرى أن الافتراق أجمل الحلول؛ فحين يُجاب الطلب بمثله، يموت العجب، ويغدو الحوار بلا جدوى.
وتجادلا طويلًا بين سؤال وسؤال، حتى اتفقا معًا:
«من يطلب التغيير، عليه أن يتحمّل العواقب… فلكل طلب ثمن».
ورفعوا شعارًا: التغيير الصادق ليس طلبًا، بل تعبير عن امتنان؛ لا يُفرض، بل يُرجى.
سحب الغراب طلبه، واختار العندليب أن يُبقي على نشيده كما هو:
— لا تجديد يُملى عليه من شهوات الآخرين.
وقال العندليب، محاولًا تهدئة تخبّط الغراب:
— الفهم، يا صديقي، ليس خصومة ولا رضًا؛ إنه طريق للخروج من نزاع بلا ركائز، ولا يمكن تبديل ما خُلق فينا.
طار كلٌّ منهما إلى غصنه، وعمّ السلام… غير أن شرخًا خفيًا بقي في الأفق.
في اليوم التالي، أفاقا على نقيق ضفدع يشرّد نجوم الصباح، ويثقل الندى بمصير غامض.
قطرات تنزلق على الأوراق الخضراء كمطرٍ تائه، بلا نغم، بلا لحن، ولا يشبه حتى الصمت في ساعة الرجاء.
نقيق كأنه نذير، لا يسمّي ما سيأتي، لكنه يترك الأعشاش مضطربة والريح تائهة.
قال العندليب متأففًا:
— واأسفاه! أضاع الغراب نهاره بالأمس وهو يناقشني، ولم يلتفت إلى هذا النقيق الذي يصمّ الآذان ويغلق وجه الصباح قبل تحيته.
ثم أضاف، مترددًا:
— بعض الأصوات، لو حاولت أن تتغير، لانكسرت.
قال الغراب:
— لا أوافقك. للضفدع صوت خاص، ولا يمكنك تقليده. ومن لا يستطيع التقليد، لا يحق له الانتقاد.
وأضاف بهدوء:
— ينقّ دقيقة، ثم يمضي لشأنه. صوته يذكّرني بقدوم المطر، والمطر بركة.
— أما صوتك، فيشبه الأعراس دون عروس. هل بدأت تفهم سبب نفوري منك بالأمس؟
اشتدّ النقاش وخرج عن حدوده، وكاد يتحوّل إلى عراك.
التقط الغراب عصًا، وانحنى العندليب يلتقط حصاة.
قالت السلحفاة، تراقبهما بعينين متعبتين:
— أنصتوا. لكلٍّ صوته، ولم يختره بنفسه. خُلقنا هكذا. ولو غيّر أحدكم صوته لما اكتفى، بل سعى إلى تغيير جناحيه ووجهه وربما ساقيه.
العبث بهذا التوازن يحوّل الغراب جملًا، والعندليب حصانًا، ويجعل العالم مسرحًا مشوّهًا.
التفت الغراب إليها بحدّة:
— أنتِ لا تسمعين، وليس لكِ صوت. حديثك اتهام لا حكمة. كيف لقوقعة أن تنتقد الريش؟
سحبت السلحفاة رأسها قليلًا، وقالت بهدوء:
— على عينيك غشاوة… صلبة، لا شقوق فيها لترى الواقع.
ارتعب الغراب:
— غشاوة؟ أنا أرى كما كنت أرى!
ضحك العندليب ضحكة خافتة:
— ليست غشاوة العين، بل غشاوة العقل… وغشاوة التكبر. ما أبشع أن تعيش في ظلال سوداء ولا تراها.
منذ الأمس وأنت مغيّب عن الواقع. استشر غرابًا مثلك، لعلّه يحميك من غرورك ويزيح الغشاوة.
تشبّثوا بمواقفهم، ولم يتزحزحوا عن اتهاماتهم الثقيلة.
دخل الغرور منطقة الخطر، وهذا ما شعرت به السلحفاة:
— ليست الأرض خالية من الشقاء، وأنتم مرفّهون. الحقيقة أثقل من نقاش ينتهي باعتذار مؤجَّل. أخشى عليكم، ولحمكم لا يحميه سوى ريش رقيق من المطر والريح. ترأفوا بقدرتكم على البقاء.
فجأة، انقطع صوتها بصخب غريب. لم يكن نزاعًا حول الأصوات، بل صخبًا ينزع الحياة نفسها، ويجعل الخوف جسدًا يتمدّد ويخنق بلا رحمة.
كان ثعبانان يركضان خلف فأر صغير.
قال أحدهما:
— إذا قبضنا عليه معًا، نقسمه نصفين ليأخذ كلٌّ نصيبه.
رد الآخر:
— صحيح، وأنا صادق في وعدي؛ فكن صادقًا أنت أيضًا.
سمع الفأر كلامهما، فارتعد خوفًا وانسلّ مسرعًا خلف ضفدع قريب.
فهم الضفدع الموقف، وقال بهدوء:
— تريدان قسمته، لكنه ابتلع حجرًا. كيف ستقسمان الحجر؟
توقف الثعبانان لحظة، ثم قال أحدهما:
— سنتركه ونعود أدراجنا.
وهكذا، انطفأ الخطر، وكانت الصداقة على المحك، والكلمة الواحدة قد أنقذتها.
اختبأ الفأر، ثم همس لنفسه:
— الألم يشبه بستانًا… فيه عنب وحلاوته، وفيه شوك يلسع كما يلسع الزمن. فيه شمس حارة وظلال وارفة.
لا يمكن أن يكون الألم مغلقًا، لابد من نوافذ ولو كانت بستائر سوداء. علينا إزاحتها، وإدخال الهواء والضوء، وإلا يتحول الألم إلى قبر يبتلع ما تبقى من النفس.
الألم الشديد، إذا بقي مع صاحبه، يصبح قوة مضاعفة… لكننا نستطيع تفكيكه مع أصدقاء لا نخشى فضيحته أمامهم. معاييرهم لا تؤلم، بل تكشف أنك شفيت.
حدث الناس عن ألمك، ولا تخف من الكلمات التي تحوم حولك. الكشف عن الألم هو أول خطوة نحو الحرية.
ساد الصمت.
تنهدت السلحفاة داخل قوقعتها، وارتجفت خفيفة، كأنها تلمس أثر موتٍ توقّف فجأة بحيلة ذكية.
— تتجلى القوة في مواجهة التحديات، لا في تقويم الأصوات.
الانشغال بجودتها ضعف في فهم العالم.
لا يحق لأي طائر أن يمحو صفات غيره، فالغرور مع السلطة يجعلنا جميعًا عرضة لقوى أكبر.
مسحت دموعها، ونظرت إلى الغراب. نكس رأسه وتململ.
لكن العندليب سبقه بالكلام:
— إن استمرّ هذا، سأبدأ بالخوف. كيف نتهم بعضنا، والواقع أشد مرارة؟ ماذا لو فشلت حيلة الضفدع، وقُسّم الفأر نصفين؟
ثلاثتهم فرّوا في دهاليز عقولهم، وعمّ صمت مخيف.
أسدل الليل ستاره، وغاب الغراب في سواد ريشه، وبقيت عيناه تلمعان كنجم صغير.
شعر أنه أخطأ في دهاليز الغشاوة، وربما يقف الآن على دهليز آخر تحته هاوية، يخشى السقوط وخسارة أصدقائه بلا سبب، بعد اعتداءه على جسده وكرامته وعلمه.
قالت السلحفاة بصوت منذر:
— احذر أيها الغراب؛ خلفك ثعلب، وأمامك أفعى، وفوقك حجر ساقط. ليتك جعلت من عيني العندليب إنذارًا، لا خصومة.
أما أنا، فسأدخل قوقعتِي… ولا أعلم إن طلع الصبح، وكنا أقرب إلى الحقيقة.
صرخ الغراب:
— سيدتي الحكيمة، ما هي الحقيقة؟
أجابت ثم اختفت:
— صوتك ليس لك، وأنت لست صانعه. وما خرج عاقل من دهاليز الغرور إلا وكان ضحيته.
أسرع إلى العندليب واعتذر؛ ففي الاعتذار طريق لا تعرفه الغشاوة. حتى في الدهاليز توجد شباك تحجب الروح، فاحذر شباكًا تصنعه لنفسك لتتمرد.
دريسدن- طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .