ارتجاف النقطة الأخيرة
سقطت النقاط،
وتعرّت الحروف،
وفقدت المعاني أسماءها
كما تفقد المدنُ خرائطها
في أيدي الغزاة.
وحين اختلطت الحروف،
صار للكذبة لسانٌ من حرير،
وللحقيقة حنجرةٌ مثقوبة،
وصار الصمتُ
اللغة الوحيدة التي لم تتواطأ.
لم تعد الكلمات تسكن معانيها؛
كان الصدق يرتدي معطف الخيانة،
والوفاء يجرّ خلفه ظلًّا مستعارًا،
وكانت الوعود تفقس في الأفواه
ثم تطير بأجنحةٍ من دخان.
في تلك الفوضى،
لم يعد الفرق بين الكلمتين
ما يفصل بينهما من حروف،
بل ما تخفيه كلٌّ منهما
من مقابر صغيرة.
كانت النقطة،
تلك الدائرة التي لا تكاد تُرى،
تتدحرج في قاع اللغة
كرأسٍ مقطوع يبحث عن جسده.
أما الفاصلة،
فقد تحوّلت إلى شقٍّ ضيّق
تتسرّب منه نوايا الكلام
قبل أن تبلغ آذاننا.
والحروف التي نجت من السقوط
وقفت عاريةً على حافة المعاجم،
تتحسّس وجوهها القديمة،
فلا تجد في المرايا
إلا ملامح الذين استخدموها.
حتى الأسماء لم تسلم؛
كلُّ اسمٍ صار قناعًا،
وكلُّ قناعٍ صار سيرةً ذاتية،
حتى غدا الإنسان
غريبًا عن اسمه
كأن أحدًا ناداه به للمرة الأولى.
عندها،
أغلقت اللغة نوافذها،
وأطفأت آخر مصابيحها،
وتركت الكلام يتخبّط
في ممرّاتٍ بلا أبواب.
لم يكن الصمتُ عجزًا عن النطق،
بل امتناعًا عن المشاركة
في جنازة المعنى.
وفي زاويةٍ مهجورة من الصفحة،
ظلّت نقطةٌ صغيرة ترتجف؛
لم تكن نهاية جملة،
بل آخر ما تبقّى من
عينٍ
رأت كلَّ شيء
ورفضت أن تشهد زورًا.
مصطفى عبدالعزيز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .