الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

وغدوت هي بقلم الراقية منبه الطاعات غلواء

 ```````وغــــدوتُ هـــي

`````````````````````````

يغمرني صوتها الدّافئ بحنان أمّ لا يُنسى، وكان العطاء عندها سجية لا تنفد، والتضحية دربًا سارت فيه وحدها حتّى كأنّ للكونِ غير قلبِها نبضًا. وكنتُ بلجاجة الطّرفِ وبراءة المحبّة أعترض عليها بينَ الحين والحين.


    تتسرب الأيام من بين أصابعنا كسراب لا يمسك، وتتركنا وحدنا في مواجهة الوجع الأبدي.

حين كانت ترتجف بين يديّ الحياة، كنت أجلس قبالتها أُحصي زفراتِها، وأتأمل ذلك العطاء المستحيل الذي لا يرتجي ثمنًا سوى بقائنا. كانت تمنحنا روحها قطرة قطرة، حتى إذا فرغت ذاتها استوحت من الصبر نبضًا جديدًا.


    كان يتملّكني خوف خفيّ عليها، فكنت أعاتبها برفق الابنة المشفقة، وأقول لها راجية: «أرجوكِ.. لا تجعليني نسخة طبق الأصل عنكِ.. لا تحمليني ثقل هذا التّعبِ الباهظ»، ثم أبتسم وغصة العشق تذيب حنجرتي متمسكة بما أراه أسمى وسامٍ أتقلّده: «أمي.. لي كلّ الشَّرفِ أن أكون مثلَكِ!».


    ماتت.. وما ماتت. غادرت مكانها على السّرير، ولكنّها استوطنت الأنفاس والأعماق. ومرَّت السّنون ثقالًا، حتى وقفت يومًا أراقب ظلي على جدران الأيام، فأصابتني صاعقة اليقين المرّ؛ لقد وجدَتني الأقدار وقد صرتُها بكل تفاصيلها الصغيرة والجارحة. أجدني اليوم أحمل هموم الآخرين على كتفي كأنها قدري المحتوم، وأغفر الزلات بذات القلب الطَّاهر، وأبتسم ذات الابتسامة الحزينة التي تخفي خلفها طوفانًا من الدموع، وكأنها وضعت روحها سرًّا في دمي ورحلت.


     أمي.. كم حاولتُ أن أفرّ من شبح تضحياتكِ خوفًا عليكِ من مرارة المصير، فإذا بي أجدني أرتدي رداءكِ بلا إرادة، وأمشى على ذات الشّوك الذي سرتِ عليه،كأنّ الموت لم يغتال حضوركِ، بل أودع في أعماقي ظلًّا لا يزول من طهر سيرتكِ وجميل خصالكِ.


    فسلام على من عبرت قنطرة الفناء إلى سِعة البرزخ،وأودعتني طهر ذكراها ، حتى يدركني ركبُها عند حوض اللقاء.


غُــــــ🪶ــــلَواء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

ذاكرة الأمجاد بين الجذور والقيود بقلم الراقي محمد علي باني

 معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة  الفصل التاسع عشر الجزء الخامس: ذاكرة الأمجاد بين الجذور والقيود لا تستطيع أمةٌ أن تبني مستقبلها إذا...