معلّقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل الثالث عشر: فتح مكة... حين عاد النور إلى البيت العتيق
مقدمة وجدانية
بعد سنواتٍ من الهجرة والفراق والصبر، اقترب الموعد الذي طال انتظاره.
مكة التي خرج منها النبي ﷺ وأصحابه، مكة التي شهدت بداية الدعوة، مكة التي عُذّب فيها المؤمنون، وسُلبت فيها حقوقهم، وأُخرجوا منها قسرًا، ها هي اليوم تفتح أبوابها أمام المسلمين.
لكن المشهد لم يكن مشهد رجلٍ يعود منتقمًا إلى المكان الذي أُخرج منه.
كان يمكن للمنتصر أن يستحضر كل جراح الماضي.
يمكنه أن يتذكر السخرية والتعذيب والحصار، والهجرة القاسية، وفراق الوطن.
ولكن الرسالة المحمدية كانت قد بنت شيئًا أعمق من روح الانتقام.
بنت إنسانًا يعرف أن العفو عند المقدرة قوةٌ أخلاقية.
دخل النبي ﷺ مكة متواضعًا، لا متكبرًا، وقد أصبح البيت الذي كان محاطًا بالأصنام على موعد مع لحظةٍ تاريخية يتغير فيها وجه المكان.
لم يكن فتح مكة فتح مدينةٍ فحسب.
كان فتحًا للقلوب قبل الأبواب، وعودةً للبيت إلى الغاية التي بُني من أجلها: التوحيد.
سقطت الأصنام، وبقيت الكعبة.
وانتهى زمن الوثنية في البيت، وبدأ عهدٌ جديد.
لكن أعظم مشهد لم يكن في سقوط الحجر، بل في سقوط الحقد من القلوب.
فالرسالة التي جاءت لتحرير الإنسان من عبودية الأصنام، جاءت أيضًا لتحرره من عبودية الثأر والكراهية.
وهنا يبلغ النور تمامه:
أن تنتصر، ثم تستطيع أن تعفو.
أبيات الفصل
أَتَتْ مَكَّةٌ وَالفَتْحُ يَرْفَعُ رَايَةً
وَفِي الأُفْقِ بَشْرُ النُّورِ بَعْدَ تَأَلُّمِ
وَعَادَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُ مَكَّةً
وَقَلْبُهُ بِالعَفْوِ العَظِيمِ مُتَرْجِمُ
وَمَا دَخَلَ المُخْتَارُ يَحْمِلُ ثَأْرَهُ
وَلَا كَانَ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ تَنَقُّمُ
وَلَكِنْ دَخَلْهَا وَهْوَ لِلَّهِ خَاشِعٌ
يُرَاقِبُ رَبًّا بِالعُبُودِيَّةِ يُعْظَمُ
فَمِنْ بَيْنِ أَرْكَانِ البُيُوتِ تَسَاقَطَتْ
أَصْنَامُ قَوْمٍ وَالفَضَاءُ مُعَظَّمُ
وَكَانَتْ جِبَاهُ القَوْمِ تَنْظُرُ مَشْهَدًا
يُغَيِّرُ تَارِيخًا وَعَهْدًا وَمَعْلَمُ
وَأَصْبَحَ بَيْتُ اللهِ أَطْهَرَ مَقْصِدٍ
وَعَادَ لَهُ التَّوْحِيدُ وَهْوَ مُكَرَّمُ
وَمَا كَانَ فَتْحُ البَيْتِ فَتْحَ جُدُرَانِهِ
وَلَكِنْ فَتْحَ القَلْبِ حِينَ يُسَلَّمُ
وَقَفْنَا أَمَامَ المُنْتَصِرِ نَرَى بِهِ
عَظِيمَ التَّوَاضُعِ وَالقُدْرَةِ تُحْكَمُ
فَقَالَ لِمَنْ آذَوْهُ يَوْمًا وَأَخْرَجُوا
وَأَوْقَدَ فِي دَرْبِ الرَّسُولِ تَأَلُّمُ
أَمَا آنَ لِلْحِقْدِ القَدِيمِ أَنْ يَفِيءَ
وَيَنْهَضَ فِي قَلْبِ الإِنَابَةِ مَوْسِمُ؟
فَمَا كَانَ عَفْوُ القَادِرِينَ ضَعَافَةً
وَلَكِنَّهُ فِي مِيزَانِ الأَخْلَاقِ أَعْظَمُ
وَمَا كُلُّ مَنْ يَمْلِكُ القُدْرَةَ مُنْتَقِمٌ
فَخَيْرُ القَوِيِّ مَنْ يَعْفُو وَيَرْحَمُ
وَتِلْكَ هِيَ الأَخْلَاقُ حِينَ تَجَسَّدَتْ
فَصَارَتْ لَهَا فِي عَالَمِ النَّاسِ مَعْلَمُ
تُعَلِّمُنَا أَنَّ انْتِصَارَ النُّفُوسِ لَيْسَ
بِقَهْرِ العِدَى، بَلْ بِالعَفْوِ يَكْرُمُ
وَأَنَّ الرِّسَالَةَ لَا تُقِيمُ صَرْحَهَا
عَلَى الحِقْدِ، بَلْ بِالرَّحْمَةِ الصَّرْحُ يُقْوَمُ
وَأَنَّ الَّذِي يَهْدِمْ أَصْنَامَ عِبَادَةٍ
عَلَيْهِ بِقَلْبِ العُجْبِ أَلَّا يُحَطِّمُ
فَفِي مَكَّةٍ عَادَتْ مَعَالِمُ أَحْمَدٍ
وَفِي مَكَّةٍ نُورُ التَّوْحِيدِ يُعْلَمُ
وَفِي مَكَّةٍ سَقَطَتْ جُدْرَانُ عَصَبَةٍ
وَقَامَ مَكَانَ العِرْقِ وَالدِّينِ مَبْدَأُ
فَلَا فَضْلَ لِابْنِ القَوْمِ فَوْقَ أَخِيهِ إِذْ
يَكُونُ مِعْيَارُ الكَرَامَةِ مَا أَسْلَمُوا
وَلَا المَالُ يَرْفَعُ صَاحِبًا فَوْقَ غَيْرِهِ
وَلَا النَّسَبُ العَالِي إِذَا القَلْبُ يَظْلِمُ
فَتِلْكَ مَكَّةٌ تَسْتَحِقُّ قَصِيدَةً
لِأَنَّ بِهَا مِيلَادَ عَهْدٍ سَيَعْظُمُ
وَتِلْكَ الرِّسَالَةُ حِينَ تَكْتَمِلُ الرُّؤَى
تُحَوِّلُ إِنْسَانًا بِهَدْيِهَا يَسْمُو
فَمِنْ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ نَمْضِي لِوَحْدَةٍ
وَمِنْ قَيْدِ ثَأْرٍ لِلتَّسَامُحِ نَحْلُمُ
وَمِنْ خَوْفِ أَمْسٍ لِاطْمِئْنَانِ غَدِنَا
وَمِنْ جَاهِلِيَّةِ نَفْسِنَا نَتَقَدَّمُ
خاتمة الفصل
كان فتح مكة أكثر من انتصارٍ عسكري.
كان تحولًا في مفهوم القوة.
فقد دخل النبي ﷺ مكة قادرًا على الانتقام، لكنه اختار العفو،
ليقدم للأجيال درسًا خالدًا:
حين تملك القدرة على العقاب ثم تختار الرحمة، تكون قد انتصرت على نفسك قبل أن تنتصر على خصمك.
وفي ذلك اليوم لم تسقط الأصنام الحجرية وحدها؛ بل بدأت تسقط معها أصنام أخرى كانت تسكن النفوس: العصبية،
والكِبر، والثأر، والتفاخر بالأنساب.
وهكذا انتقل المجتمع العربي من رابطة الدم وحدها إلى رابطة الإيمان والإنسانية والعدل.
لكن الرحلة لم تبلغ نهايتها.
فبعد فتح مكة، ستتسع دائرة الرسالة، وستأتي حجة الوداع، حيث يقف النبي ﷺ أمام الأمة في مشهدٍ تختصر فيه الرسالة أعظم مبادئها: حرمة الدماء، وكرامة الإنسان، والمساواة، والأمانة، والعدل.
ومن هنا ننتقل إلى:
الفصل الرابع عشر: حجة الوداع... حين اكتملت رسالة الإنسان
هناك سنقف أمام آخر المشاهد الكبرى في هذه الرحلة، حيث يلتقي المكان بالرسالة، وتلتقي الأمة بنبيها في لحظةٍ تاريخيةٍ عظيمة، قبل أن يودع العالمَ صاحبُ الرسالة التي بدأت من «اقرأ»، وانتهت إلى بناء إنسانٍ يعرف ربه، ويحفظ كرامة أخيه، ويقيم العدل في الأرض.
التوقيع الشعري
أَنَا ابْنُ حَرْفٍ إِذَا مَا لَامَسَ الأَلَمَ
نَبْضُ الحَنِينِ بِهِ، وَارْتَدَّ مُلْتَهِبَا
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .