الجهة الأخرى للكرسي
حين تقتربين،
تتأخر الأشياء عن عادتها،
ويصبح للكرسي الذي جلستِ عليه
سببٌ آخر كي يبقى.
لا أعرف ماذا تفعلين بالمكان،
لكنني بعدكِ
أنتبه إلى أشياء
كنت أمرّ بها دون أن أراها.
كأن حضوركِ
لا يضيف شيئًا،
بل ينزع عن الأشياء
ما كان يحجبها عني.
حين تضعين كفّكِ على شيء،
لا يتغيّر شيءٌ في ظاهره؛
الكوب يبقى في مكانه،
والنافذة لا تتسع،
لكنّني أنا
أصير أقلَّ استعجالًا في المغادرة.
أنتِ التي لا تحتاجين
إلا إلى جهةٍ واحدة من الكرسي،
وتتركين للجهة الأخرى
ذلك الموضع الذي أعرف.
في صوتكِ شيءٌ
يجعل الجملة تتوقف قبل آخرها،
لا عجزًا عن الكلام،
بل لأنّ بعض المعاني
لا تحتاج أن تُقال كاملة.
وأنا،
كلما سمعتكِ،
أكتشف في رأسي شيئًا
كنت أحسبه فكرة،
فإذا به سؤالٌ قديم
لم أجرؤ على الاقتراب منه.
لا تقولين: تعال،
ولا تحتاجين إلى ذلك.
تتركين الكلام في مكانه،
ثم أمضي أنا
نحوكِ دون أن أعرف
متى بدأت المسافة تقلّ.
حتى الغياب،
حين يمرّ بي،
لا يجدني كما تركني؛
ثمة شيءٌ منكِ
يغيّر ترتيب وحدتي
كل مرة.
أنتِ البسيطة
إلى الحد الذي يجعلني
أشكّ في كل ما تعلّمته
عن التعقيد.
تنظرين إلى العالم
فلا تمنحينه اسمًا جديدًا،
ولا تبحثين له عن عذر؛
تتركينه كما هو،
ثم تختارين منه
ما يستحق أن يبقى.
لهذا يا ربّ،
إذا ضاقت عليها جهة،
لا تكثر أمامها الطرق؛
خذ بيد يومها
إلى الجهة التي لا تضطر فيها
أن تتنازل عن نفسها.
وإذا جاءها يومٌ
لا يشبهها،
فلا تدعه يعلّمها
كيف تصبح شخصًا آخر.
احفظ لها تلك الوقفة
حين ترى شيئًا للمرة الأولى،
وتلك الدهشة التي لا تشرحها،
ولا تجعل كثرة الأيام
تجعل الأشياء متشابهة في عينيها.
دع ما تحبه
يعرف طريقه إليها،
وما تخشاه
يتأخر عن بابها.
وإذا تعبت،
لا تطلب منها الأيام
أن تبرر تعبها.
امنحها لحظةً
تجلس فيها دون أن تنتظر شيئًا،
وتترك يدها على الطاولة
كما لو أن العالم
لن يطالبها الآن بشيء.
يا ربّ،
أبقِ لها ذلك الموضع الخفي
الذي لا تعرف كيف تسميه،
ولا تسمح للأيام
أن تصل إليه.
فمن هناك
يأتي الشيء الذي أحبّه فيها،
ذلك الذي لا أستطيع شرحه
حتى حين أحاول.
واجعل ما يأتيها
لا يرفع صوته كثيرًا،
ليصل إليها
دون أن يخيف قلبها،
وليترك في يومها
علامةً صغيرة
تجعلها تعرف،
حين ت
نظر إلى المساء،
أن هذا اليوم
مرّ بها
ولم يأخذ منها شيئًا.
مصطفى عبدالعزيز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .