أنا والساعة
في هذا الطريق كنت أمضي، توقفت فجأة لأعود إلى الوراء. هل من طريق آخر؟ أم أمضي في طريقي وسط هذه الشوارع والدكاكين لأدوس بقدمي على ذكريات أرهقتني؟ نعم، سأدوس بقدمي على كل شبر من هذا الطريق؛ فلا شيء يعنيني الآن سوى نفسي.
وقفت جانباً، وأشعلت سيجارتي، وتصفحت جريدة "الأهرام" كعادتي دائماً. وأنا في طريقي، رأيت متجرا للساعات، خلعت ساعتي من يدي وذهبت إلى صاحب المتجر.
قلت له: "أتأخذ هذه الساعة؟"
قال: "هي ثمينة، غالية الثمن".
قلت له: "خذها، هي لك بلا ثمن".
تلك الساعة كانت هديتها لي. لا يعلم أن ثمن هذه الساعة هو عمرٌ مضى بلا عودة، كل عقرب فيها كان يدير أوقاتنا. غادرت المتجر، ومشيت في طريقي، وضعت يدي في جيبي فلم أجد مفاتيحي الخاصة؛ لعلّي نسيتها عند صاحب متجر الساعات.
وعند دخولي الدكان، رأيتها.. نعم، هي هي بعينها! لم أصدق، نظرت إليَّ، نادتني باسمي مرة، ثم مرة أخرى، فلم أرد. ثم قالت: "ألست أنت؟".
قلت لها: "لست أنا من تريدين، لقد أخطأتِ".
مضت خطوات، ثم نظرت إلى الخلف ناحيتي ورحلت. ذهبت لآخذ مفاتيحي، وجدتها على "فاترينة" الساعات، ورأيت في تلك اللحظة ساعة كنت قد أهديتها لها، تعجبت! نظرت إلى صاحب المتجر وقلت له: "ساعة من هذه؟".
قال: "هي لتلك السيدة التي مضت، جاءت وأعطتها لي بلا ثمن".
عجيبة الأقدار! كل شيء أصبح يباع بلا ثمن، هي أيضاً تخلع الذكريات! يا إلهي، أي ألم هذا؟ لقاء حتى في الفراق! كلٌّ منا أراد السلام لنفسه. بعد كل هذا العمر أدركت بأن لا مكان لمن اغتالوا براءتنا، اغتالوا أجمل ما فينا؛ صدق مشاعرنا، إحساسنا المرهف. لا عودة، حتى ولو جمعتنا الصدف كهذه الصدفة؛ هي النهاية.
علاء الدين علي محمد
جمهورية مصر العربية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .