فِي مَهَبِّ الرِّيحِ
كَرِيشَةً حَمْقَاءَ
أَفْلَتَتْ مِنْ كَفِّ الرِّيحِ،
فَمَضَتْ تَعْلُو...
تَظُنُّ السَّمَاءَ
بَابًا مَفْتُوحًا لِلْأَحْلَامِ،
وَتُفَتِّشُ فِي الْجِهَاتِ
عَنْ حُلْمٍ مَشْدُودٍ
بِحِبَالِ الْكِبْرِيَاءِ.
تَجْرِي خَلْفَ السَّرَابِ،
لَاهِثَةً بَيْنَ مُتَاهَاتِ الشَّغَفِ،
وَتَرْسُمُ فَوْقَ الْغَيْمِ
أَسْطُرًا مِنْ أُمْنِيَّاتٍ
لَمْ يَقْرَأْهَا أَحَدٌ.
كَرِيشَةً زَاهِيَةَ الْأَلْوَانِ،
جَمَعَتْ مِنْ أَجْنِحَةِ الْفَرَاشَاتِ
رَحِيقَ الْمَحَبَّةِ،
وَمِنْ عُيُونِ الْعَاشِقِينَ
وَمَضَاتِ الْحَنِينِ،
وَحَمَلَتْ فِي قَلْبِهَا الصَّغِيرِ
كُلَّ مَا تَبَعْثَرَ
مِنْ دِفْءِ الْمَشَاعِرِ.
ثُمَّ أَلْقَتْ نَفْسَهَا
فِي بَحْرِ الِاشْتِيَاقِ،
فَذَابَ الْوَقْتُ بَيْنَ ذِرَاعَيْهَا،
وَصَارَ الْعِنَاقُ
جَزِيرَةً لَا تَعْرِفُ الرَّحِيلَ.
وَعَلَى مُرُوجِ الْعِشْقِ،
دَاعَبَهَا الْحَنِينُ،
فَتَاهَتْ...
وَتَنَاثَرَتْ مِنْ حَوْلِهَا
وُرَيْقَاتُ الْأَمَلِ،
تَحْمِلُ رَسَائِلَ الشَّوْقِ
إِلَى سُوَيْعَاتٍ مَضَتْ،
كَانَتْ تَمُرُّ خَفِيفَةً
كَابْتِسَامَةِ طِفْلٍ،
أَوْ كَحُلْمٍ
أَدْرَكَهُ الصَّبَاحُ
قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ.
لَكِنَّ الرِّيشَةَ،
كَكُلِّ الْأَشْيَاءِ الْجَمِيلَةِ،
لَا تَمْلِكُ أَنْ تَهْزِمَ الرِّيحَ.
فَمَضَتْ بَعِيدَةً...
تَبْحَثُ عَنْ اسْتِرَاحَةٍ
مِنْ وَجَعٍ أَثْقَلَ جَنَاحَيْهَا،
وَمِنْ فِرَاقٍ
تَرَكَ فِي الْقَلْبِ نُدُوبًا
لَا يَمْحُوهَا الزَّمَنُ.
هُنَاكَ أَدْرَكَتْ
أَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ سِوَى
رِحْلَةٍ بَيْنَ لِقَاءٍ وَغِيَابٍ،
وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ
لَا يُؤْلِمُهَا الرَّحِيلُ وَحْدَهُ،
بَلْ مَا يَتْرُكُهُ الرَّحِيلُ
مِنْ فَرَاغٍ.
آهٍ مِنْ أَيَّامٍ
تَسْرِقُ مِنْ أَعْمَارِنَا
أَجْمَلَ مَا فِيهَا،
وَتُوَارِي الْأَحْلَامَ
فِي عَتَمَةِ الِانْتِظَارِ.
فَسَلَامٌ
عَلَى قَلْبٍ عَرَفَ الْفَقْدَ
وَظَلَّ يَنْبِضُ بِالْمَحَبَّةِ،
وَسَلَامٌ
عَلَى الْأَيْتَامِ
حِينَ يَقْتَسِمُونَ مَعَ الصَّبْرِ
خُبْزَ الْأَيَّامِ،
وَسَلَامٌ
عَلَى أَرْوَاحٍ عَبَرَتْ
إِلَى ضِفَّةٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا،
وَتَرَكَتْ لَنَا
الذِّكْرَى...
لِنَحْيَا بِهَا
كُلَّمَا ضَاقَتْ بِنَا الطُّرُقُ.
بقلم انتصار يوسف سوريا