رحلة زفاف الموت
بقلمي: القصاد القاص "صالح حباسي"
في صباحٍ ذهبيٍّ ينساب على حوافِّ الخلية، كانت الملكة العذراء تقف عند العتبة، كأنها بين عهدين: حياةٍ لم تبدأ بعد، ومصيرٍ كُتب في الهواء.
لم تكن رحلتها نزهة، بل نداءً خفيًّا يسري في دمها، يدفعها إلى السماء حيث لا عودة كما كانت.
حلّقت…
وفي لحظاتٍ قليلة، لم تعد السماء صامتة.
انفتحت على صخبٍ غريب، آلاف الذكور اندفعت خلفها، لا يجمعهم وعدٌ ولا حب، بل غريزة عمياء، كأنها أمرٌ لا يُناقش.
لم يكن فيهم من يفكر بالرجوع.
كان المشهد أشبه بموكبٍ يتجه إلى نهايته،
لكن أحدًا لا يتوقف.
ارتفعت الملكة أكثر…
وارتفعوا معها.
الهواء صار أخف، والجهد أثقل، والأجنحة ترتجف تحت ضغطٍ لا يُحتمل.
بعض الذكور بدأ يتراجع دون إرادة،
أنفاسه تضيق، جسده يخذله،
ثم—بلا صوت—يسقط.
يسقط دون أن يلمسها…
دون أن يقترب…
كأن السماء تختبرهم، فتسقط من لا يحتمل ثمن الاقتراب.
ومع ذلك، لا أحد يتعلّم من سقوط الآخرين.
البقية تندفع أكثر.
في الأعلى، حيث لا يبقى إلا الأقوى، تبدأ اللحظة الحاسمة.
يلحق أحدهم بالملكة، يقترب… يلامسها…
وفي جزءٍ من الثانية، يتم التزاوج.
لحظة واحدة فقط.
لكنها تساوي عمرًا كاملًا.
بمجرد أن تنتهي، ينفصل جسده عنه بعنف،
تُنتزع حياته كما تُنتزع الشرارة،
ويبقى جزءٌ منه داخل الملكة… ختمًا أخيرًا على مهمته.
يسقط.
صامتًا… مكتمل النهاية.
ثم آخر… ثم آخر…
رحلة واحدة، لكن الملكة تتزاوج خلالها مع عشرة إلى … عشرين ذكرًا،
تجمع في جسدها “بنك الحياة” كلّه،
مخزونًا يكفيها لسنوات،
لتضع آلاف البيوض يوميًا، دون أن تحتاج إلى هذه الرحلة مرة أخرى.
وحين تعود…
لا تعود تلك التي غادرت.
تعود مملكةً تمشي.
في داخلها حياة مدينة كاملة،
ومن خلفها سماءٌ امتلأت بجثث من لم يصلوا… ومن وصلوا.
لا ناجين في هذه الرحلة.
من لم يبلغها، مات اختناقًا أو وهنًا في الأعالي،
ومن بلغها… مات لحظة الانتصار.
فهل كان ذلك عشقًا قاتلًا؟
أم تضحيةً خرساء من أجل السلالة؟
ربما في عالم النحل…
تُصنع الحياة هناك على أجنحةٍ لا تعرف التردّد،
أمّا هنا… فلا يكتمل معناها إلا حين يقودها الوعي، لا الاندفاع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .