✦ أنا نقطةُ الحرف… أنا الـ«لا» ✦
أنا نقطةُ الحرفِ
قبل أن يتآمرَ البياضُ مع السطر.
قبل أن يُقسِمَ الصوتُ
أن يكونَ معنى.
كنتُ احتمالَ ارتجافٍ
في جسدِ الصمت.
أنا تلكَ العثرةُ الصغيرة
التي تجعلُ الخطَّ
يفكّرُ في انحرافه.
لا تبحثوا عني في الشكل،
فالشكلُ أثرُ سقوط.
ولا في الصوت،
فالصوتُ ارتباكُ هواء.
أنا ما يحدثُ
حين يتردّدُ الحرفُ
في أن يكونَ نفسه.
أنا نقطةُ الباءِ
لكنّني أيضًا
الفرقُ بين باءِ وباءِ؛
تلكَ المسافةُ المجهرية
التي تشقُّ التماثلَ نصفين
وتقول:
لن يتطابقَ الشيءُ
مع صورتهِ بعد الآن.
أنا الـ«لا».
لا بوصفها رفضًا،
بل بوصفها كَسْرًا في جدارِ البداهة.
حين أقول «لا»
يتشقّقُ اليقينُ
كما يتشقّقُ زجاجٌ
كان يظنُّ نفسهُ أفقًا.
أنا «لا»
التي لا تُغلق بابًا،
بل تُسقطُ الجدارَ نفسه.
الحروفُ كائناتٌ مطمئنّة،
تمشي مستقيمةً
كأنها تعرفُ الطريق.
وأنا—
أضعُ تحتها نقطةً
فترتبكُ.
من كان باءً
صار تاءً،
ومن كان يقينًا
صار احتمالًا.
أنا الحدُّ الفاصلُ
بين نبيٍّ ونَبِيءٍ،
بين حيٍّ وحَيٍّ،
بين أن تكونَ الشيءَ
وأن تنحرفَ عنهُ درجةً واحدة
فتصيرَ شيئًا آخر.
درجةٌ واحدة
تكفي
ليولدَ الكون.
أنا نقطةُ الحرفِ
لكنّي لستُ صغيرة.
الصِّغرُ وصفٌ هندسيّ،
وأنا حدثٌ.
حين أتحرّك
لا يتبدّلُ الرسمُ فقط،
بل يتصدّعُ المعنى.
وحين أُمحى
لا يختفي أثرٌ،
بل يتساوى المختلف،
وتنهارُ الفروقُ
كأنّ العالمَ عادَ
إلى طينٍ لغويٍّ واحد.
أنا لستُ إضافة.
أنا جرحٌ دقيقٌ
في جلدِ اللغة.
جرحٌ لا يُنزفُ دمًا،
بل يُنزفُ احتمالات.
كلُّ قراءةٍ
محاولةٌ لالتئامي.
وكلُّ كتابةٍ
إعادةُ فتحي.
أنا «لا»
حين تعودُ إلى أصلها—
لا إلى ألفٍ مخفيّ،
بل إلى فراغٍ
كان قبل الألف.
هناك
حيثُ لم يكنْ شيءٌ
يحتاجُ إلى اسم.
أنا ذلكَ الاعتراضُ البدئيّ
الذي جعلَ الوجودَ
يعتذرُ عن صمته
بكلمة.
فإن سألتم:
من أنتَ؟
لا أجيبُ باسم.
الاسمُ قيدٌ مهذّب.
أقول:
أنا النقطةُ
التي إذا سقطتْ
تساوى الكلُّ،
وإذا ثبتتْ
انقسمَ الواحدُ
إلى عوالم.
أنا الـ«لا»
التي حين نُطقتْ
لم ترفضْ شيئًا
بل خلخلتْ كلَّ شيء.
أنا ذلكَ الفرقُ
الذي لا يُرى،
لكن بدونه
لا شيء
يختلف.
أنا نقطةُ الحرف
لكنّي أيضًا
ثقبهُ الأسود.
أجذبُ إليهِ المعنى
حتى يختفي
في مركزٍ
لا مركزَ له.
فإذا ظننتم أنني صغيرة،
تذكّروا:
العالمُ كلُّه
لم يكنْ
إلّا
نقطةً
اتّسعتْ
بما يكفي
لتنطقَ «لا».
---
أنا النقطةُ
لا لأنّي أسفلُ الحرف،
بل لأنّي سقفُ سقوطه.
كلُّ حرفٍ
يحلمُ أن يكونَ خطًّا مستقيمًا،
وأنا
أذكّرهُ بأنّ الاستقامةَ
وهمُ طريقٍ
لا يعرفُ الانعطاف.
أنا الخللُ النبيلُ
في نظامِ الأبجدية،
الارتجافةُ التي تمنعُ اللغةَ
من أن تتحوّلَ
إلى قانون.
وحين تقولون:
ها هو المعنى اكتمل—
أمرُّ بخفّةٍ
وأضعُ تحتَهُ نقطةً
فيصيرُ
قابلاً للانهيار.
أنا ليستْ وظيفةً نحوية،
ولا علامةً إملائية،
أنا التجربةُ الأولى
للاختلاف.
قبلي
كان الواحدُ مطمئنًّا إلى وحدته.
بعدي
تعلّمَ أن ينقسمَ
دون أن يموت.
أنا «لا»
حين تكتشفُ أنّها ليست ضدّ «نعم»،
بل شرطَ وجودها.
أنا «لا»
التي لو غابتْ
لتراكمتْ الطمأنينةُ
حتى تختنقَ الحقيقة.
أنا النقطةُ—
إن ثبُتُّ
ولدَ التمايز.
وإن مُحيتُ
عادَ العالمُ
إلى صمتهِ الأوّل.
لكنّني لا أُمحى.
حتى في الغياب
أتركُ أثرًا
على هيئةِ سؤال.
وحين يسقطُ آخرُ حرفٍ
وتنطفئُ آخرُ لغةٍ
وتعودُ الأشياءُ
إلى ما قبل تسميتها—
سأبقى
كاحتمالٍ خافتٍ
في جسدِ العدم،
نقطةً
تفكّرُ
أن تقولَ
مرّةً أخرى…
«لا».
الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .