تحدثني صور أخي
قصة قصيرة
بقلم: نور شاكر
في العاشر من كانون الأول من كل عام، أفتح صندوقًا خشبيًا صغيرًا أخبئه في أعلى الخزانة
لا أحد يعرف كم يحتاج المرءُ من الشجاعة ليفتح صندوقًا كهذا… صندوقًا يختصر وطنًا وطفولة وأخًا لم يعد
أجلس قرب النافذة، وأضع الصورة أمامي
ابتسامة أخي فيها كما هي؛ ثابتة، مطمئنة، وكأنه ما زال يربت على رأسي ويقول:
"لا تخافين… العراق لا ينكسر"
أتذكر تلك الأيام واحدةً واحدة
بداية العاصفة
كان عام 2014 يمشي ببطء ثقيل
كنا نسمع اسم "داعش" يقترب من مدن الآخرين، ولم نكن نصدق أن الشر يمكن أن يصل إلينا
لكنه فعل… ووصل سريعًا، وحول ليالي العراق إلى خوف وصمت ودخان
في تلك الليلة التي خرج فيها أخي من البيت، كان يحمل حقيبة صغيرة لا تكفي لرحلة قصيرة، لكنه قال إنها تكفي لمعركة طويلة
ارتدى ما يملك من ملابس عسكرية بسيطة، ثم وقف عند الباب، ينظر إلى أمي التي حاولت أن تبدو قوية
قال لها:
"أمي… إذا انكسر الوطن، ماذا يبقى لنا؟"
ثم خرج
أذكر أن الباب حين أغلق خلفه، أحسستُ أن جزءًا من البيت خرج معه
كانت رسائله قصيرة، تشبه أنفاسه المتقطعة بين معركة وأخرى:
"نحن بخير."
"سوف ننتصر… لا تقلقوا."
لكن الصور التي كان يرسلها كانت تُخبرنا بما لم يقله، التعب في عينيه، الابتسامة القسرية، وجوه الشباب الذين صاروا إخوة، ومشاهد المدن التي تتحرر ثم تبتسم من جديد
كنت أسهر قرب هاتفي، أنتظر إشعال النقطة الخضراء التي تخبرني أنه ما زال هناك
يوم الرحيل...
لم يخبرونا كيف استشهد… فقط قالوا إنه تقدم قبل الجميع، وأنه أنقذ رفاقه، وأن الرصاصة التي أخذته كانت أسرع من أن تُرى.
جاءوا به ملفوفًا بالعلم
كنتُ أمد يدي إلى وجهه المرتاح، أريد أن أصحو، أريد أن أصرخ، لكن شيئًا ما في صدري كان ينهار بصمت
أمي جلست قربه، لا تبكي كثيرًا، كأن دموعها أصبحت أثقل من أن تسقط
كل ما قالته وهي تقبل جبينه:
"رفعت راسنا… ليرضى عنك الله ."
العاشر من ديسمبر 2017
حين أعلنوا النصر، كنت أقف قرب النافذة نفسها التي أجلس عندها اليوم، سمعت الناس يبكون فرحًا، يعلّقون الرايات، يخرجون إلى الشوارع وهم يرددون:
"أنتصرنا … تحررنا ."
لكن قلبي كان يبحث عنه في ذلك المشهد
كنت أقول لنفسي:
"انظر… العراق تحرر… يا ليتك معنى لتراه."
لم يكن النصر ناقصًا… لكنه كان موجعًا
لأن النصر الذي لا يعود فيه الشهداء، يبقى منقوص القلب
الآن، وأنا أنظر إلى صورته في ذكرى ذلك اليوم العظيم، أشعر أنه يُحادثني بصمته:
"لا تبكين… هذا الوطن يستحق.
نحن تعبنا حتى تبتسمون، ويبقى العراق حرًا"
أبتسم له رغم الدموع
أخبره أن العراق ما زال واقفًا، وأن الشوارع التي حرروها مليئة بالحياة، وأن الأطفال يلعبون دون خوف، وأن الأمهات يزرعن الحب من جديد
أخبره أن اسمه ما زال يُقال، وأن شهادته ليست موتًا… بل حياة مضاعفة
وفي كل
ذكرى نصر، أضع وردة قرب صورته وأقول له:
"انت اعدتَ الوطن، وأنا سأضل اعيد ذكراك للحياة"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .