الاثنين، 29 ديسمبر 2025

همس الليل في صدر الظل بقلم الراقي مؤيد نجم حنون طاهر

 همس الليل في صدر الظل

في أَوَّلِ الغسق،

حينَ تَميلُ الأَرْضُ لِتَسْمَعَ خُطاهَا،

يُطْلِقُ النَّهْرُ تَنهيدَتَهُ،

ويَغْسِلُ وَجْهَهُ بما تَساقَطَ مِن صَمْتِ الغُيومِ.

النُّجومُ تُرَتِّبُ مَقاعِدَها في الفَضاءِ،

تُداري ارْتِجافَها،

وتُخْفِي في جَيْبِها مَفاتيحَ الأَزْمِنَةِ القَديمَةِ.

يا مَوْجُ،

كَم مَرَّةً جَرَّبْتَ أَنْ تَبْلُغَ الشَّاطِئَ،

ولَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الشَّاطِئَ

لَيْسَ نِهايَةَ المَدَى،

بَلِ انْحِناءَةَ المَاءِ على نَفْسِهِ.

الغُيومُ تُفَتِّشُ عنِ اسْمِها،

تُحادِثُ الرِّيحَ،

وتَضْحَكُ حينَ تَسْمَعُ أَنَّ الارْتِفاعَ

قَدْ يَكونُ وَجْهًا آخَرَ لِلسُّقوطِ.

الأَرْضُ تُخْفِي جُرْحَها

تَحْتَ سَجَّادِ العُشْبِ،

لَكِنَّ المَطَرَ — ذاكَ الطِّفْلُ الفُضُولِيُّ —

يَكْشِفُ ما لَمْ يُقَلْ بَعْدُ.

النُّورُ يَتَلَعْثَمُ في كَلامِهِ،

يَسْأَلُ النَّارَ:

هَلْ كُنْتِ أُمِّي؟

فَتَبْتَسِمُ وتَقولُ:

«أَنا الرَّمادُ الَّذي نَسِيَ أَنْ يَموتَ».

والإِنْسانُ،

يَخِيطُ الوَقْتَ بِإِبْرَةِ الانْتِظارِ،

ويَظُنُّ أَنَّ الدَّقائِقَ تُطِيعُهُ،

بَيْنَما تَنْفِرُ مِنْهُ كالعَصافِيرِ

مِنْ ضَوْءٍ حادٍّ.

كلُّ الدَّوائِرِ تَعودُ إلى نُقْطَةٍ،

لَكِنَّها في كُلِّ عَوْدَةٍ

تَحْمِلُ وَهْمًا جَديدًا بِالصُّعودِ.

هَلْ نَرْتَقِي؟

أَمْ نَسْقُطُ إلى الدَّاخِلِ

كَنَجْمٍ يَكْتَشِفُ أَنَّ بَريقَهُ

ما كانَ إِلَّا صَدًى لاحْتِراقِهِ؟

يا طَريقَ الظِّلِّ،

يا مَجازَ الضَّوءِ في ذاكِرَةِ النِّهايَةِ،

خُذْنا إلى البِدايَةِ المُعاكِسَة،

حَيْثُ لا نَصْعَدُ ولا نَهْبِطُ،

بَلْ نَدورُ — كَما دارَ الكَوْنُ —

في صَلاةٍ لا تَنْتَهِي.

والقمرُ،

ذاكَ الغريبُ الذي يَسكنُ فوقَ ضفافِ الليل،

يُراقبُ صمتَنا،

ويُعيدُ ترتيبَ الظلالِ على جدرانِ الوجود.

تتداعى الأرواحُ كالأمواج،

تَمتدُّ بلا وزنٍ،

وتَصطدمُ بأسرارها الخاصة،

فَتصبحُ كلُّ لحظةٍ صدىً

في مرآةِ لا تنكسر.

يا رياحَ الصحو،

احملينا حيثُ لا يَعرفُ الوقتُ نفسه،

حيثُ لا يُقاسُ الحبُّ ولا يُقاسُ الفقدُ،

بل نَتَحوّلُ معًا

إلى همساتٍ

 تَسكنُ بين النجوم.

بقلم الشاعر

مؤيد نجم حنون طاهر

العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .