اعترافات ليلية ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
شارع كلوت بك.
القاهرة.
مبانٍ قديمة تتساند كعجائز يخشين السقوط، وجدران تحكي عن ماضٍ قريب لم يبتعد، بل غيّر نبرته فقط.
شوارع بأسماء مِهَن، وحارات ضيقة لم تُخلق للمشي، بل للاختباء.
بلاط أسود يعود إلى زمن الاحتلال الإنجليزي، ما زال يحتفظ ببرودته، كأن الأقدام لم تُدفئه بعد.
كنت أبحث عن فندق رخيص.. لوكاندة أنام فيها ليلة واحدة، وأغادر مع أول قطار عند الفجر.
دلّني صاحب كشك سجائر على فندق قال إنه “على قد الحال”.
مائة جنيه في الليلة.
كان المبنى أقدم مما توقعت.
بوابة خشبية متآكلة، وبهو ضيق، عدة كراسٍ متناثرة، وطاولة صغيرة خلفها مفاتيح.
لا أحد.
قطة رمادية نائمة على أحد الكراسي، كأنها صاحبة المكان.
ألقيت التحية.
لم يرد أحد.
إضاءة خافتة، وسكون كثيف، بينما الشارع في الخارج لا يعرف النوم.
رفعت صوتي:
– يا أهل الله.. هل من أحد هنا؟
فتحت القطة عينًا واحدة، مواءت بضجر، ثم عادت إلى النوم.
أنزلت حقيبتي، ترددت قليلًا، ثم رفعتها وقد قررت المغادرة.
لكن القطة وقفت فجأة أمام الباب.
وفي اللحظة نفسها، دخل رجل من الخارج.
تجاوز الخمسين، عيناه متسعتان، حاجباه كثيفان، وذقنه غير مرتبة.
ملابسه واسعة، متسخة قليلًا، وفي يده اليمنى عكاز.
ومع أول خطوة، لاحظت أن ساقه اليمنى مبتورة، وأن ساقًا خشبية تحل محلها.
قال بصوت مبحوح:
– أهلًا وسهلًا يا سعادة البيه.
نظرت حولي بحثًا عن “البيه”، فلم أجد غيري.
ابتسم نصف ابتسامة، ثم قال:
– ما طلبك؟
– أريد غرفة حتى الصباح.. وسأغادر بعد الفجر.
قاطعني بهدوء:
– طلبك موجود.. هل معك بطاقة؟
ناولته بطاقتي.
تفحّصني طويلًا، كأنني صورة قديمة.
– الغرفة بثلاثمائة.. بالعشاء والمسائل.
– أنا قد تعشّيت.. ولا أفهم ما تعنيه بالمسائل.
ضحك ضحكة قصيرة، وأغمض عينيه:
– أنت غريب.. وتحتاج إلى الراحة.
وعندنا، الناس ترتاح.. ولو لليلة واحدة.
فهمت نصف ما قال، وحملت حقيبتي متجهًا نحو الباب.
لكن القطة تحركت مرة أخرى، ووقفت أمامي.
ومن خلفي جاء صوت نسائي هادئ:
– تمهّل.. ما اسمك؟
التفت.
كانت تقف عند آخر البهو.
ثوب بسيط، شعر مرفوع بإهمال، لا زينة ولا تصنّع.
لكن عينيها..
عينيها لم تتغيرا.
تسمّرت في مكاني.
قالت، كأن الزمن لم يتحرك:
– كنت متأكدة أنك ستأتي.
لم أسألها من تكون.
لم أحتج إلى ذلك.
جلسنا في ركن بعيد.
قفزت القطة إلى جوارها، واستقرت، كأنها تعرفها منذ زمن.
ابتعد الرجل صاحب الساق الخشبية دون أن يسأل.
قالت:
– أتذكر البلدة؟
أومأت برأسي.
– ماذا كانوا يقولون عني؟
لم أجب.
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
– قالوا إنني هربت..
وقالوا إن الجمال إذا زاد صار لعنة.
وقالوا أشياء كثيرة.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
– لم أهرب.. أنا اخترت.
قلت بصوت خافت:
– بعد والدك ..
قاطعتني:
– بعد أن صمتوا.
وبعد أن قلتَ “لا”.. ثم صمتَّ.
نظرت إليها.
أردت أن أعتذر، أن أقول شيئًا يخفف ثقل السنين، لكن الكلمات خانتني.
قالت وهي تشير إلى المكان:
– هذا الفندق ليس غريبًا كما تظن.
الناس يأتون إليه متأخرين..
يجلسون قليلًا، يحكون ما لا يُقال، ثم يرحلون.
سألتها:
– وأنتِ؟
قالت بهدوء:
– في البداية ظننتها ليلة وأعود.
لكن الليالي طالت.
وهو.. كان واقفًا يوم خرجت، ولم يسأل.
فهمت علاقتها بصاحب الفندق دون أن تشرح.
وفهمت لماذا لم تدعني القطة أغادر.
بدأ الضوء يتسلل ببطء من الخارج.
الفجر.
نهضت، حملت حقيبتي.
لم تتحرك القطة هذه المرة.
قالت وهي تنظر إلى الأرض:
– من يهرب مرة.. لا يعرف المبيت أبدًا.
خرجت.
كان الشارع أكثر هدوءًا.
لحقت بالقطار.
ومنذ تلك الليلة..
لم أعد أبحث عن فنادق رخيصة، ولا عن طرق للهروب.
لكن النوم..
لم يعد يأتيني كما كان.
طارق الحلواني
ديسمبر ٢٠٢٥
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .