الاثنين، 29 ديسمبر 2025

باب البحر بقلم الراقي طارق الحلواني

 باب البحر ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

الشارع الذي يبدأ من جانب ميدان 

رمسيس،أول شارع كلوت بك على اليسار،لم ينام يومًا.

قبل أن تراه، كنت تشمه.

ريحة السكر الساخن، السمسم المحمص، والحلويات تُنقل من النار للفترينات.

المحلات متلاصقة، نفس الصناعة، نفس التعب، ونفس الحلم الذي يفتح باكرًا ويغلق متأخرًا.

حتى عندما تهدأ القاهرة، يبقى هذا الشارع مستيقظًا، والدنيا تدور فيه مثل صاج الحلاوة على النار.

أنا طارق.

كبرت هنا، بين الشوكولاتة والملبن والسمسمية.

أبي، عبده الحلواني، كان دائمًا يقول إن الحلوى يجب أن تُصنع بهدوء، فالعجلة تكسر الطعم.

لم أكن أفهم قصده إلا بعد حين.

قريبًا من باب المحل، كان يظهر أحيانًا رجل ويختفي.

ليس شحاذًا،ولا زبونًا.

واقفًا هكذا، كأنه ينتظر شيئًا، أو ينتظر أحدًا.

أبي، حين يراه، يترك ما في يده، يخرج درجًا صغيرًا من تحت الميزان، ويعطيه ما فيه من نصيب.

لا كلام، ولا سلام طويل.

الراجل يأخذ، ينظر إلى الأرض، ثم يمضي.

سألته مرة:

— من هذا الرجل يا أبي؟

لم يرد.

واصل لف الحلوى، وكأن السؤال سقط على أرض مبللة.

بعد أيام، عاد الرجل.

نفس الوقفة، نفس الملابس التي يظهر عليها أثر الزمن أكثر من الفقر.

أبي أعاد الحركة نفسها، ولم أستطع التحمل.

— لماذا دائمًا هو؟

نظر إليّ بنظرة لم تكن غضبًا ولا حنانًا.. كانت شيئًا بينهما.

قال:

— لأنه كان يومًا ما، صاحب المكان.

وقعت الكلمة ثقيلة.

صاحب المكان؟

جلسنا على المصطبة الخشبية خلف المحل.

الليل يؤدي دوره، والرائحة أقوى.

حكى أبي.. لكنه لم يرو كل شيء.

قال إنه في تلك الأيام، قبل أن يشتري المحلات، كان هناك صبي يعمل عند معلم اسمه وحيد.

رجل بارع، يده ماهرة، يخرج من تحتها كالذهب.

قال:

— كانت الأموال تعرف طريقها إليه مباشرة.

ثم سكت.

انتظرت أن يكمل، لكنه لم يفعل.

قال:

— وكنت أظن أن النعمة ستبقى.

فهمت أن صمت أبي هو القصة بأكملها.

سألته:

— وماذا فعل؟

ابتسم ابتسامة صغيرة بلا طعم.

— فعل ما يفعله الكثير.. نسي.

بعد سنوات، اشترى أبي محلًا، ثم آخر، ثم ثالثًا.

خطوة بخطوة، دون قفزات.

أما وحيد؟

فأصبح ظلًا، يدخل الشارع، يلف، يخرج.

لا يطلب شيئًا،

لكن عينيه دائمًا على المحلات.

سألته مرة:

— لماذا لا تتركوه؟

قال:

— من رأى المكان وهو ممتلئ، لا يستطيع أن ينساه.

في يوم، وأنا عائد من المدرسة، رأيت الرجل واقفًا.

أبي لم يكن موجودًا.

المحل شغال، والأموال في الدرج.

أمسكت بالمال.

يدي ثقيلة.

تذكرت كل مرة أعطى أبي، دون أن ينظر حوله.

مددت يدي.

رفع الرجل وجهه، لأول مرة أراه هكذا.

عرفته.

ليس باسمه.. بل بكسره.

أخذ المال، ولم يقل شيئًا.

لا شكر، ولا دعاء.

ثم مضى.

حين عاد أبي، قلت له.

كنت أنتظر أن يغضب، أو يبتسم.

قال:

— لقد فعلت الصواب.

سألته:

— لماذا؟

قال:

— لأن النعمة لا تزول فجأة..

هي فقط تتعب.

سكت قليلاً، ثم قام بإغلاق المحل باكرًا.

قلت له:

— لماذا باكرًا؟

قال:

— اليوم كافٍ.

وعندما أغلق، رفض طلبية كانت ستجلب مالًا أكثر، لكنها كانت بجودة أقل.

لم يقل السبب، لكنني فهمت.

بعد مدة، رأيت الرجل آخر مرة.

واقفًا بعيدًا، كأنه لا يريد أن يُرى.

أبي لمحُه، لكنه لم ينادِ.

ارتفع الدخان من مبخرة شخص عابر:

“حلاوة رباني.. سبحان مغير الأحوال..”

لف الرجل في الزحام، واختفى.

سألت:

— أين ذهب؟

قال أبي:

— من يذهب.. لا يضيع دائمًا.

المكان بقي كما هو.

المحلات فتحت وأغلقت.

ريحة الحلوى لم تتغير.

أما ما تغيّر..

فكان الناس.

وأدركت حينها أن صون النعمةليس في الخوف عليها،ولا في الكلام عنها،

بل في أن تبقى واقفًا في مكانك،ويدك نظيفة، حتى عندما تلف الدنيا حولك.


طارق الحلواني

ديسمبر ٢.٢٥

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .