الأربعاء، 10 ديسمبر 2025

يا ولدي بقلم الراقي أسامة مصاروة

 يا وَلدي


يا ولَدي اسْمَعْ هاهُنا الْوَطَنُ

لا الْقَلْبُ ينساهُ ولا الزَّمَنُ

نَموتُ أوْ نحيا على حُبِّهِ

مهما أصابَتْ شَعْبَنا الْمِحَنُ


يا وَلَدي أَتَذْكُرُ التَّتَرُ

والدَّمَ والْحِبْرَ والنَّهَرا

غزَوْا ديارَنا مَعِ الْعَلْقَمي

والْخائِنُ النَّذْلُ تُرى نُحِرا


في ذلكَ الزَّمانِ يا وَلَدي

لَمْ يَجِدِ التَّتارُ في الْبَلَدِ

سِوى العميلِ الْخائِنِ الْعَلْقَمي

والْيوْمَ هُمْ جَهْرًا بِلا عَدَدِ


فرَّ التَّتارُ إنَّما غَيْرُهُمْ

أَتوْا إِليْنا وانْتَشى أَمْرُهُمْ

فالْعَلْقَمِيُّ نَسْلُهُ لمْ يَزَلْ 

حتى يحينَ آجِلًا حشْرُهُمْ


فأيْنما تجولُ في قَفْرِهمْ

رُغْمَ الْغِنى الناسُ في فقْرِهِمْ

لا يَشْتري المالُ لَهمْ شَرَفًا

بلْ زادَهُمْ وِزْرًا على وِزْرِهِمْ 


شعبٌ ملوكٌ أُمَراءٌ بِلا

أَيِّ شعورٍ كَأَفاعي الْفلا

لا مُسْتَحيلٌ أنَّهُمْ عَرَبٌ

كيْفَ وَمُنْتِنٌ عليْهمْ علا 


وًجوهُهُمْ أقْنِعَةٌ صاغَها

إبْليسُ والْعاهِرُ قَدْ ساغَها

أقْبِحْ بِهِمْ مِنْ رَهْطِ إبليسَ هُمْ

فَروحَهُ في القوْمِ أفْرَغَها


ليْسَ غريبًا ذُلُّ خُلْجانِهِمْ

وَجُبْنُهُمْ وَصَمْتُ عُرْبانِهِمْ

فالْعَبْدُ رُبَما يَرى نَفْسَهُ

حُرًا كَحالِ كُلِّ قُطْعانِهِمْ 


قالوا على أشْكالِها تَقَعُ

كُلُّ الطُّيورِ حينَ تَجْتَمِعُ

أمَا الْحُثالاتُ فَمَسْكَنُهُمْ 

يا عُمَلاءَ الْغَرْبِ مُسْتَنْقَعُ


حقيقةً يا قوْمّ نَفطٍ غَدا

وُجودُكُمْ عارٌ وَحتى سُدى

فلا كرامَةٌ ولا شَرَفٌ

ولا حياءٌ في الْعُيونِ بدا


قُرونُ ثيرانِ الفلا تنْطحُ

قدْ تقتُلُ الأُسودَ أوْ تجْرَحُ

أمّا قرونُكُمْ وَخُلْجانِكُمْ

  فإِنَّها تُخْجِلُ بلْ تفْضَحُ


يا قوْمَ نفْطٍ قبْلَكُمْ قدْ عَلَتْ

أقْوامُ عٌهْرٍ كفَرَتْ فَخَلَتْ

زوالُكُمْ وَإنْ يَطُلْ قادِمٌ

يا عُصْبَةً قُرآنَها قدْ سَلَتْ


يا وَيْلَ كُلِّ خائِنٍ قَذِرِ

مِنْ نَسْلِ جَدٍ مارِقٍ أشِرِ

يا ويَلَ كُلِّ فاجِرٍ نَجِسِ

وَخادِمٍ للْغَرْبِ مُحْتَقَرِ

د. أسامه مصاروه

لست معنيا بهذا العالم بقلم الراقي الطيب عامر

 لست معنيا بهذا العالم إلا من باب

الإحترام لتمرده على سلطة العدم

و لوجودك الشفيف كشكل شريف 

 ، في هندسة أطواره الجميلة 


يكفيني عناق بخيالي القرمزي لحقيقة 

فحواك الوردية لكي أفهم براعة الحياة ،

 ، من درس الطفولة في مقلتيك 


   و أعيش كريما حرا 

 أجوب بركات الماء و انتقي لعتمتي و

 ، أحلى أغاني الضوء و رقصات الشذى 


لا شيء قد يراودني عن انتباهي سوى

 ميلادي على جبين كلمتين 

 تمرحان على ثغرك ،

اسمي و أحبك ،


أنت في منظومة نبضي فرحة يوسفية 

الصدق ،

يعقوبية الصبر و الإنتظار ،

و خلاص الفن من ضيق المدى 

مع كل همسة ندية ،

تطير بلا جناحين من عش شفتيك 

و أخرى تحط على خد الورد لتصلح 

بينه و بين تعلق الندى ...



الطيب عامر / الجزائر....

يا ليل بقلم الراقي حسين سليمان عبد

 يا ليلُ

مدّ ستارَك فوق قلبي

فقد صار بيتاً خاوياً

لا يسمع فيه الساكنون سوى صدى أنيني وبقايا خُطايَ الساريّة

يا من رحلتي

لم أعد أرجو عودتك

بل أرثي نفسي التي ذهبت معكِ

أرثي وجهاً كان يبتسم لكِ

وصار اليوم صفحةً مطفأةً لا يقرؤها أحدٌ في هذه البريّه

كنتِ نبضي

وحين ابتعدتِ

تكسّر النبض وانفرطت أيامه

وبات كلّ ما بداخلي

يشبه قبراً يُوارِي ما تبقّى من أحلامي المنسيّة

هل تذكرينني

يا لثقل هذا السؤال

كلّما نطقتهُ أحسستُ أن صدري ينطفئ

وأن روحي تتدلّى على حافة جرحٍ

لا دواء له ولا عزاء ولا يدٌ تُمسك بي من هاوية البُليّة

أعيد رسالتي

لا رجاءً ولا توقّعاً

بل لأن الكتابة أصبحت عزائي الوحيد

أكتبُ كما يكتب الثاكلُ اسمَ أحبّتهِ

على ترابٍ يعلم أنّ الريحَ

ستمحوه بعد لحظاتٍ شقيّة

وها أنا أختم

لا بسلامٍ

بل بوجعٍ يقيمُ في صدري ولا يبرح

وبتحيّةٍ أخيرةٍ أضعها على قبر عشقٍ راحل

لم يبقَ منه

إلا رفاتُ ذكرى

وحنينٌ يُطفئه الليلُ كلّما حاول أن يضيءَ

ثم يتركني وحدي في عتمتي الأبديّة 

بقلمي استاذ حسين سلمان عبد

انكسارات مرة بقلم الراقي وسيم الكمالي

 *انْكِسَارَاتٌ مُرَّةٌ*

*بقلم: وَسِيمُ الْكَمَالِي*

*الاثْنَيْنِ ٨ دِيسَمْبَر ٢٠٢٥*


وَقُلْتُ وَبِدَاخِلِي غِبْطَةُ فِكْرٍ:

ــ أَقْوِيَاءُ مِنَ الْخَارِجِ، لَكِنَّنَا مَكْسُورُونَ مِنَ الدَّاخِلِ...

نَبْتَسِمُ بِالظَّاهِرِ،

وَالرُّوحُ تَسْكُنُهَا الضَّجَرُ وَالْأَلَمُ...

فِي مَرْفَإِ الذِّكْرَيَاتِ نَغُوصُ،

أَنَعُودُ إِلَى الْمَاضِي

لِنَعِيشَ طُفُولَتَنَا؟

فَيُجِيبُ الْقَلَمُ:

تَجَاوَزْ بَحْرَ سَوَادِكَ الْيَوْمَ،

كَفَاكَ أَنْ تَظَلَّ تَحْلُمُ...


تُسَاوِرُنِي الْأَفْكَارُ...

أَكْتُبُ عَلَى الْأَوْرَاقِ...

أُحَاوِلُ أَنْ أَكْذِبَ فَأَتَلَعْثَمُ...

كَفَاكَ يَا فُؤَادِي كَذِبًا،

فَالظَّاهِرُ بِمَا بِدَاخِلِكَ يَعْلَمُ...


أَنْ تَحْلُمَ،

يَقِينًا أَنْتَ بَطَلُ الْحَكَايَاتِ الْكَاذِبَةِ...

أَنْ تَعْلَمَ،

فَأَنْتَ تُزَاوِرُ الْحَقِيقَةَ...

الْحَقِيقَةُ كَلِمَةٌ مُرَّةٌ...

أَعْلَمُ أَنَّكَ تَمُرُّ بِمَخْلَفٍ صَعِيبٍ،

تَتَأَلَّمُ مِنْ دَاخِلِكَ،

وَاصْمُتْ وَلَا تَتَكَلَّمْ...

البخيل بقلم الراقي سامي المجبري

 البخيل. بقلمي سامي المجبري. بنغازي ليبيا.

قصة قصيرة 


كان "سليمان" رجلاً خمسينيّاً نحيل الجسد، متجهّم الملامح، يتدلّى من كتفيه معطف قديم حافظ عليه كأنّه كنز ثمين، لا لأنه غالٍ، بل لأنه يرفض شراء غيره. عرفه أهل الحيّ بـ"سليمان البخيل"، حتى إن الأطفال كانوا يتهامسون باسمه وكأنّه أسطورة من أساطير الحكايات، بينما الكبار كانوا يذكرونه في المجالس عند الحديث عن المال وكيف يمكن أن يتحوّل الإنسان إلى أسير لدراهمه.

امتلك سليمان دكاناً صغيراً يبيع فيه كل ما يمكن أن يدرّ ربحاً ولو قليلاً؛ من السكر إلى المسامير، ومن الصابون إلى الدفاتر. لم يكن يُعرف عنه الكرم في وزن البضاعة، ولا في كلمة طيبة، ولا حتى في الابتسامة. كان يعدّ النقود عدّاً لا يكتفي فيه بالعشرة والعشرين، بل يعيد كلّ فئة ثلاث مرات على الأقل، ويقربها من الضوء حتى يكاد يلتهمها بعينيه.

ورغم أن دكانه كان يدرّ عليه دخلاً معقولاً، إلا أنّ حياته بدت بائسة، خالية من أيّ مظهر للراحة. يعيش في غرفة ضيقة فوق الدكان، أثاثها هزيل، وفرشتها بالية، وكأنه يخشى أن يكلّفه شراء سرير جديد ديناراً إضافياً. كان يطهو طعامه بنفسه توفيراً لثمن الطاهي، ويقتصد في الزيت كأن قطرة منه تساوي قطعة ذهب. لا يشعل المصابيح إلا بعد غروب الشمس تماماً، وحتى ذلك الحين، لا يضيء إلا مصباحاً واحداً.

ذات يوم، جاءه طفل صغير يرتجف برداً، يحمل في يده عملة معدنية واحدة. قال بخجل:

 أريد قطعة خبز صغيرة يا عم سليمان.

نظر إليه سليمان بنفاد صبر وقال:

 هذه العملة لا تكفي للخبز.

رد الطفل:

 لكنها كل ما أملك.

تنهّد سليمان بصوت ضجر، وأعاد له العملة من دون أن يرفّ قلبه أو يشعر بالأسى. خرج الطفل حزيناً، وعاد سليمان لينشغل بالعَدّ كعادته، دون أن يعير العالم أيّ اهتمام.

لكن تلك الليلة كانت بداية تغيّر لم يتوقّعه.

حين ألقى سليمان بجسده المنهك على فراشه الخشن، سمع طرقات خفيفة على بابه. تجاهلها، ظنّاً منه أنها الريح، لكن الطرقات عادت أقوى. قام متذمّراً وفتح الباب، فإذا برجل عجوز، ملامحه رقيقة، وعمامته بيضاء كأنها ضوء قمر.

قال العجوز بصوت هادئ:

السلام عليك يا سليمان.

وعليك السلام، من أنت؟ وماذا تريد في هذا الوقت؟

ابتسم العجوز وقال:

 جئت أسألك: ماذا ستفعل بكل هذا المال الذي تجمعه وتمسك به كمن يمسك روحه؟

تجهم سليمان، واعتبرها وقاحة.

 ما شأنك أنت؟ المال مالي، أكسبه بتعب جبيني.

 وهل ستأخذه معك عندما يجيء يومك؟

أغلق سليمان الباب بقوة دون أن ينتظر المزيد. لكن قلبه، على الرغم من قسوته، ارتجف للحظة، لأن كلمات العجوز كانت كنبضة غير متوقعة أعادت صدى عاش داخله طويلاً.

في اليوم التالي، جاءت امرأة مسنّة إلى دكانه تطلب دواء لابنها المريض بالدَين، فقد نفد ما تملك من مال. كانت تبكي بحرارة، وعلى وجهها آثار تعب السنين. ولكن سليمان لم يلن قلبه.

 الدكان ليس مؤسسة خيرية، عودي عندما يكون معك ثمن ما تريدين.

خرجت المرأة وهي تدعو له بالهداية، فابتسم باستهزاء.

ذلك المساء أيضاً، ظهر العجوز ذاته على بابه.

 كم قلباً كسرت اليوم يا سليمان؟

 دعني وشأني! من أنت؟ ولماذا تتدخل في حياتي؟

 أنا مرآتك تلك التي لا تحب أن تنظر إليها.

ارتجف سليمان، لكنه لم يبدِ اقتناعاً.

أجاب العجوز:

 المال نعمة، لكنك جعلته لعنة على نفسك وعلى الناس. ومع ذلك لا يزال أمامك وقت لتغيّر ما يمكن تغييره.

رحل العجوز، وظل الباب مفتوحاً خلفه كأن الريح صارت شاهدة على حوار لا يريد سليمان الاعتراف به.

أصبح سليمان يراه كل ليلة، ثم كل مساء، حتى صار وجود العجوز جزءاً من أيامه. كان يظهر ليسأله سؤالاً واحداً يتكرر كل مرة:

 ماذا ستفعل بكل هذا المال؟

ومع تكرار السؤال، بدأ شيء ما يتصدع داخل سليمان، كأن قشرة سميكة حول قلبه بدأت تنشقّ ببطء.

وفي صباح يوم شديد البرودة، رأى سليمان الطفل الذي جاءه أول مرة، جالساً قرب الدكان يرتجف، ولم يكن معه شيء. اقترب منه بتردد، وقال:

 أين أهلك يا صغير؟

أجاب الطفل بصوت متعب:

 أمي مريضة، وأنا أحاول جمع ما يكفي لشراء دواء لها.

سكت سليمان.

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعر بوخزة في صدره لم يعرفها من قبل. كأنه يسمع همس العجوز: ماذا ستفعل بكل هذا المال؟

دخل الدكان، وأحضر رغيف خبز وبعض الطعام، وقدّمه للطفل دون أن ينظر في عينيه.

 خذ هذا ولا تخبر أحداً.

ابتسم الطفل ابتسامة واسعة خرجت من قلب موجوع لكنها مضت كضوء.

ذلك اليوم مرّ ثقيلاً على سليمان. كان يشعر بأنه فعل شيئاً غير مألوف، وكأن البضاعة التي أعطاها للطفل انتُزعت من روحه لا من دكانه. لكنه في الوقت ذاته شعر براحة غريبة لم يعرف لها اسماً.

عاد العجوز في المساء وقال له مبتسماً:

 خطوة صغيرة يا سليمان. لكنها بداية.

سأله سليمان:

 من أنت حقاً؟ ولماذا تهتم بي؟

 أنا ظلّك الذي تخلّيت عنه منذ سنوات، يوم آثرت المال على الإنسان، ويوم وضعت جداراً بينك وبين الرحمة. جئت لأذكّرك أنك ما زلت قادراً على أن تكون إنساناً.

ثم اختفى العجوز فجأة كما لو أن جسده أصبح ضباباً خفيفاً ذاب في الهواء.

منذ ذلك اليوم، بدأ سليمان يتغيّر. لم يكن التغيير سريعاً مثل انقلاب الريح، لكنه كان تحوّلاً ثابتاً مثل نضوج الثمار. صار يعطي المحتاج تخفيضاً بسيطاً، ويمنح الأطفال الحلوى القديمة قبل انتهاء صلاحيتها، ويبوح بكلمة طيبة لا يريد الاعتراف أنه كان يفتقدها هو نفسه.

ومع كل فعل صغير يقوم به، كان يشعر بأن ثِقل سنوات من الجشع تتساقط عنه حبة حبة.

وذات مساء، جلس سليمان في غرفته يتأمل كومة من النقود جمعها طوال حياته، وقال بصوت منخفض:

 ماذا سأفعل بكل هذا حقاً؟

تذكّر الطفل، وتذكّر المرأة المسنّة، وتذكّر العجوز الذي لم يعد يراه بعد أن بدأ يتغيّر.

فهم الرسالة.


في صباح اليوم التالي، أغلق دكانه لأول مرة منذ عشرين عاماً، وذهب إلى بيت الطفل حاملاً كيساً من الطعام وبعض المال. ثم قصد بيت المرأة المريضة، وسدّد دين الدواء عنها. ومن هناك إلى مسجد الحي، حيث تبرع بجزء كبير من ماله للفقراء.

كان الناس ينظرون إليه باستغراب، لا يعرفون إن كان هذا هو سليمان الذي عرفوه أم شخصاً آخر يشبهه.

وعندما عاد إلى دكانه مساءً، وجد العجوز واقفاً على عتبة الباب، لكن هذه المرة كان وجهه أكثر نوراً، وابتسامته أعمق.

قال له العجوز:

 الآن فقط أصبحت غنياً.

قال سليمان بخجل يشبه الاعتراف:

 أشعر أن قلبي صار أخفّ.

 لأنك حرّرته من قيود لم تصنع سوى الألم. المال وسيلة يا سليمان، وليس سجناً. استخدمته اليوم كما يجب ففتح لك باباً إلى إنسانيتك.

ثم رفع العجوز يده مودّعاً، وانحنى الضوء حوله، واختفى مرة أخرى، لكن سليمان علم هذه المرة أنه لن يعود… لأنه لم يعد بحاجة إليه.

وقف سليمان أمام دكانه، يتنفس بعمق، وكأنه يرى العالم لأول مرة منذ زمن طويل. كان الليل ساكناً، لكنه لم يشعر بالخوف، بل شعر بالطمأنينة، تلك التي لم يعرف معناها إلا عندما أدرك أن المال الذي لا تصل به إلى القلوب، لا يصل بك إلى نفسك.

وفي تلك الليلة، نام سليمان قرير العين، بلا عدّ للنقود، بلا خوف من الغد نام وفي قلبه مساحة رحبة لم يكن يعرف أنها موجودة.

وهكذا مات البخل في داخله قبل أن يموت هو، وعاش ما تبقى من عمره رجلاً جديداً، يوزّع خيره بكرم، ويبتسم كأن وجهه لم يعرف العبوس قطّ

، وكأن روح العجوز ما زالت تباركه من بعيد.

الوطن المنكوب بقلم الراقي علي عمر

 الوطن المنكوب

لا أحد يرحل عن وطنه                   

لو لم تكن حدائق 

آماله منكوبة 

تتدلى ورودها على حبال 

مشانق الإنتظار 

حكم عليها بالذبول 

بالشقاء المؤبد 

لو لم تنبت في عينيه 

أشواك الخوف والهلع 

من قدر مريب كظلام الليل 

تنهال عليه سياط الشك 

والقلق 

ليمضي به إلى الضياع 

إلى الهلاك بزيف الوعود 

لو لم يكن مرميا 

كقنديل عتيق في غياهب 

عتمة الإهمال 

يحتضر بريق نوره 

بين تجاعيد غمائم

هذا التيه الطويل الموحش 

العنيد 

لو لم تنقطع سبل عيشه 

وتجرع مرارة العجز 

في رحلة بحثه عن مسالك 

الحياة 

ولم ير إلا خطوات موت 

قريب 

لا سبيل للخلاص منها 

إلا بالرحيل والهروب إلى البعيد 


//بقلم أ . علي عمر //         

          

Welatê wêranbûyî            


 Kes ji welatê xwe koçber nabe                  

 Ger gulistatnên hêviyan ne rûxandî bin .

 Gulên wê li ser kapên daliqandine 

 Li benda darvekirinê .

 Ew mehkûmî hişkbûnê bû 

 Bi belengaziya sermedî 

 Ger di çavên wî de mezin nebûya 

 Stiriyên tirs û toqê .

 Ji narvîna bi guman wek tariya şevê 

 Qamçiyên gumanê li wî ketin 

 Û xemgîniyê 

 Ji bo ku wî ber bi windabûnê ve bibe 

 Bi sozên derewîn têk bibin 

 Ger nehata avêtin 

 Mîna çirayeke kevin di tariyê de 

 Tariya dirîxkirinê 

 Ronahiya wî dimire 

 Di navbera qurmiçî û koran de 

 Ev gêlê dirêj û dirinde û serhişk

 Ger debara jiyana wî nehata birîn 

 Û tehliya bêçaretiyê daqurtîne 

 Li ser lêgerîna wî ya li ser rêyên 

 jîyanê

 Tiştê ku dît, şopa mirinê bû nêzîk

 Tu rêçik tune ku merov jê xilas bibe 

 Ji bilî koçberî

 û reva dûr 


 Wergêr : Muhemed Reşîd Bavê Sobar .

رحلة في مرايا العيون بقلم الراقية فتيحة نور عفراء

 رحلة في مرايا العيون

بقلم: فتيحة نور عفراء

 

سافرت في مرايا العيون

 بلا زاد،

ولا خارطة،

ولا وعد رجوع.

هناك،

كان البحر يلون الموج بنبضي،

وكان الحنين يلقي ظلاله

على المرافئ القديمة.

كلّ نظرة كانت نجما،

وكلّ رمشة نافذة إلى المجهول.

قرأت في عينيك

قصائد لم تُكتب،

وسمعت نداءات الروح

تتعانق مع صمت الوجد

في ليل شفيف.

يا لدهشة العيون،

كيف تخبّئ بين أهدابها

العمر كلّه،

وتفتح لي أبواب الوجود

دفعة واحدة!

رحلتي بدأت حين نظرت إليك،

ولم تنته بعد.

فكلّ مرآة في العيون

ت

عيدني إليّ،

وتغرقني فيك.



عزف الرياح بقلم الراقي عبد المجيد المذاق

 عزف الرياح


للبحار حكايات

 ترويها النوارس 

وللعمر حكايات

 تحكيها التجاعيد 

وللناس حكايات 

ترويها أوراق الخريف 

و حكاياتي 

حلم سخيف

 أشبه بالطيف

لا راكب و لا من 

أهل الرصيف

تعبرني ساعاتي

 كسحابة صيف

نقش محفور على

 صخرة سيزيف 

أثقال معلقة على 

خصري النحيف 

وقت الغارة التصق

 الغمد بالسيف 

و القلب أوهنه النزيف 

تتشابه الأيادي 

حين تصفعني 

وسجاني بداخلي يعذبني 

مالي إلا الهم يحضنني 

وقبلات العشق تجهلني

تحت الحياة افتقدني

و سخريتا أعد

 من الناجين 

يمزقني إلي الشوق

 و الحنين

مسرعة تمر فوق رأسي 

طيور السنين

فالسم كالمدام يعتق 

بلعاب الشياطين 

حزين أنا وبعقلي 

تختل الموازين 

فعند الجنون

 تلغى كل القوانين 

أسير أنا على

 جراحي أسير 

تسبقني أنفاسي

 لتترقب المصير

أغني ألحان الشهيق

 و الزفير

 بعزف السعال

 و الصفير

مسرعة تمر

 فوق رأسي 

 نزائك السنين 


قلمي/عبد المجيد المذاق

صداقة التقي بقلم الراقي محمد عبد الوهاب الشرعبي

 صداقة التقي


إذا شِئْتَ عَيْشًا كَالْفُرَاتِ صَفَاؤُهُ  

وَسَرَّكَ أَنْ تُـمْحَى عَلَيْكَ نَوَائِبُهْ  


فَلازِمْ تَقِيًّا فِي الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ  

يُعِينُكَ دَوْمًا إِنْ دَعَتْكَ مَآدِبُهْ  


تَغَاضَ عَنِ الْإِخْوَانِ إِنْ زَلَّ وَاحِدٌ  

فَلَيْسَ مِنَ الْإِحْسَانِ قُبْحًا تُحَاسِبُهْ  


وَمَنْ ذَا الَّذِي بِالْعُمْرِ لَيْسَ بِمُخْطِئٍ  

وَمَنْ ذَا الَّذِي دَوْمًا تَصِحُّ جَوَانِبُهْ  


فَصَبْرًا جَمِيلًا بِالْوَقَارِ فَإِنَّهُ  

جَمِيلٌ تَقُودُكَ لِلسَّلَامِ عَوَاقِبُهْ  


أَرَى الْحُبَّ يَجْرِي فِي السَّمَاحَةِ مِثْلَمَا  

غَمَامًا عَلَى رَوْضٍ تَسِيلُ سَحَائِبُهْ  


وَمَا الْعَيْشُ إِلَّا أَنْ تَعِيشَ مُسَامِحًا  

وَهَيْهَاتَ أَنْ تَصْفُوَ بِبُغْضٍ مَشَارِبُهْ  


أ/محمدعبدالوهاب الشرعبي

يا شآم بقلم الراقي محمد فاتح علولو

 #يا_شآمُ

١ـ شَـــآمُ الــعـــروبــــةِ مُـــدّي الْــيَـــدَا

   لِــنُــرْجِــــعَ لـلــوطَــــنِ السُّـــــــؤْدَدَا

٢ـ:بعـلْـمٍ وتـقـــوىً وعــــدلٍ وجــــــودْ

   يـعُـودُ ابـنُ ســـــوريّـة السّــــــــيّــدَا

٣ـ فـيـا أرضَ جُـــلَّــقَ أنـــتِ الـمـــنــارْ

   وفــيــكِ الــهُــــدى عـابـــرٌ للــمـــدى

٤ـ رســـــالاتُ ربّـــي بـأرضِ الشـــــــآمْ

    #يصـافِـــحُ_عيســـى_بــهــا_أحـــمــدَا

٥ ـ ونــبـــعُ الـحــضــارة للــعـــالـمــيــنْ

   ، وأهـــدَت لـــعــالــمـــنــا الأبــجـــدا

٦ـ فـشــامُ الرســـولِ عــلـى صـخْـرِهَــا

    تـــهــاوَى الـغــزاةُ، وشُــــلّــوا يــــدا

٧ـ ومـــن رام ســـــوءاً وظــلــمــاً لـهــا

    ، أذاقـــتــه كُــــلّ صــــنــوف الـرَّدى

٨ـ وكانت على البغي حصـناً حصـيـنــاً

     على ســروِهـا النصرُ كـم أنشـــدا !

٩ـ فـيـا مَــعـقِــل الدّيـن والـمـكـرمــات 

    ، ويا قـبـرَ مَـن ســـامـهـا واعــتـدى

١٠ـ دروس الرجـــولـــة للــعــالــمـــيـن

    هــبـيـهـم، واعـطـي دروس النَّــدى

 ١١ـ فــأنــت الــمــنـارةُ لـلـمــكــرمــات

      ســـتـبـقـينَ دومـاً إمــامَ الـهــدى

١٢ـ فــأخــلاق أهـــل الشـــــآم الدواء

     وفـيـها الصــلاح ، ولـن تـفـســـدا

✍️ #محمّد_فاتح_عللو

يا غربة الليل بقلم الراقي عمر أحمد العلوش

 (يا غُربةَ الليل)

يا غُربة الليل 

يا أقسى ساعاتي 

يا لحني الضائع

قسماً بالشوقٍ

قسماً باسمكِ....

- كلما نطقته ارتجف قلبي -

متى يأتي اللقاء؟     

وأرفع قلبي قرباناً 

بين يديك 

يا غُربةَ الليل

يا سواد ليلي 

يا صمتي المشتعل

يا شوقي المصلوب

وحنينيّ المسفوح

أعدّ دقّات قلبي تسبيحاً

كما شعركِ ..بسواد طهره

وأحمل وجع الشوق 

مسبحةً بين أصابعي

أدور بها حول ذكراكِ

كما يطوف العاشق 

حول معبدٍ لا يُمس

بغيابكِ....

يزداد قلبي نزفاً

ويزداد حنيني صفاءً

كأن الشوق يطهّرني بناره

ويحولني إلى نذرٍ 

معلّقٍ على أبوابكِ

يا غربة الليل

متى تأتين

فقد صار اللقاء خلاصاً

صوتكِ دعاءً

وصورتكِ رجاءً

وحبكِ يقيناً

أسبحه صباح 

..مساء 


✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش

بائعة الورد بقلم الراقي د.سمير الخطيب

 بائعة الورد


بقلم: سمير الخطيب


---


عند زاوية الشارع المؤدي إلى محطة الحافلات، حيث يتقاطع الصمت مع الضجيج، ويلتقي العابرون دون أن يلتقوا حقًا، كانت تقف كل صباح امرأة نحيلة تحمل سلة من الورد. لم يكن في ملامحها ما يستوقف العين المستعجلة؛ امرأة بسيطة، شالٌ رمادي يلف كتفيها كأنه يحتضن برودة العالم قبل أن تصل إليها، وابتسامة صغيرة محفوظة للغرباء — تلك الابتسامة التي يتعلّمها الذين صاروا جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، لا من ذاكرتها..عيناها كان فيهما شيء لا يُشترى ولا يُباع: تلك اللمعة التي تُشبه رجفة الضوء على زجاج نافذة في صباح بارد، أو بقايا حلم لم ينطفئ تمامًا.


كانت تبيع الورد منذ سنين طويلة، حتى صارت جزءًا من جغرافيا المكان، علامة مألوفة كإشارة المرور أو عمود الكهرباء. تعرف أنواع الزبائن كما يعرف البحّار اتجاهات الريح: العاشقون الذين يستعجلون وردة حمراء قبل أن ينطفئ اللهف أو تنفد الشجاعة، الأزواج الذين يشترون وردة في محاولة يائسة لرتق صمت بارد تسلل إلى بيت كان يومًا دافئًا، والمارة الذين يشترون وردة ليكسروا فراغ يومهم أو ليملؤوا فراغًا أعمق لا يعرفون كيف يسمّونه, وعاشقي الورد ومقدريه الذين يختاروا الورد بعناية تليق بالمهدى اليها .


أما هي، فلم يشترِ لها أحد وردة قط. ولم يخطر ببال أحد أن بائعة الورد قد تحتاج إلى وردة.


هل فكّرت في ذلك؟ ربما. في لحظات الصمت بين "زبون" وآخر، حين يمتد الصباح كطريق لا ينتهي، وتنظر إلى الورد في سلتها وكأنها تنظر إلى مرايا صغيرة تعكس كل ما لم تحصل عليه. لكنها لم تقل شيئًا، لم تشتكِ، لم تطلب. صارت الأشياء التي لا نقولها جزءًا منها، تترسب في الصدر طبقة فوق طبقة، حتى تنسى أنها كانت يومًا تحلم بأن نُرى.


لأن أقسى أنواع الغياب ليس أن تكون بعيدًا، بل أن تكون حاضرًا ولا يراك أحد. أن تقف كل صباح في نفس الزاوية، تبيع الجمال للآخرين، وتعود كل مساء فارغة اليدين، فارغة القلب. أن تصير جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، لكن لا أحد يتوقف ليسأل: من هذه المرأة؟ ما حكايتها؟ هل تحلم؟ هل تحزن؟ هل تنتظر شيئًا؟


ذات صباح، كان البرد أشدّ من العادة، والسماء رمادية كأنها نسيت كيف تكون زرقاء. مرّ أمامها موظف شاب، يحمل حقيبته السوداء ويبدو كأنه مستعجل على أن يتأخر — تلك المفارقة اليومية التي يعيشها سكان المدن. توقف فجأة، كأن شيئًا غير مرئي شدّه من كتفه. نظر إلى الورد، ثم إليها. لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لتشعر أن أحدًا رآها — لا السلة، لا الورد، بل هي.


لم يقل شيئًا. فقط مدّ يده ليأخذ وردة بيضاء من السلة. دفعتْها أناملها بخفة وهي تعطيه الورد، وانتظرت — كما ينتظر المرء كلمة طيبة بعد يوم طويل، أو ابتسامة صادقة في عالم يبتسم كثيرًا دون أن يعني شيئًا.


لكنه انصرف كما جاء. ولم يلتفت.


عادت تنظر إلى سلتها، إلى الورد الذي يذبل أسرع مما ينبغي — كأن الورد نفسه يعرف أنه ليس مقصودًا لذاته، بل لمعنى مؤقت في قلب شخص آخر. نظرت إلى أصابعها التي أصبحت تعرف ملمس الورد أكثر مما تعرف دفء يد إنسان. وتساءلت، في سرّها، عن تلك المفارقة الصامتة: كيف يمكن أن تكون محاطًا بالجمال وتظل وحيدًا؟ كيف يمكن أن تمنح الفرح يوميًا ولا تتذوقه؟


فكرت أن العالم يعلّمنا أن القيمة في الإنجاز، في الظهور، في الامتلاك. لكنه ينسى أن يعلّمنا الدرس الأهم: أن القيمة الحقيقية تكمن في أن نُرى. أن نُعترف بنا كبشر، لا كوظائف أو أدوات. نحن لسنا ما نبيعه، ولا ما ننتجه، ولا حتى ما نقدمه للآخرين. نحن — ببساطة — موجودون. وهذا الوجود نفسه يستحق أن يُرى، أن يُعترف به، ولو بنظرة واحدة صادقة.


في المساء، وعندما جمعت بضاعتها المتبقية — تلك الورود التي لم ينتبه إليها أحد، مثلها تمامًا — وجدت بين الورد ورقة صغيرة، ربما سقطت دون أن تنتبه. فتحتها ببطء، بتلك الحذر الذي يحمله من تعوّد على خيبات صغيرة. 


كانت قصاصة ورق ممزقة من دفتر، مكتوب عليها بخط غير متقن، كأن صاحبه كتبها على عجل أو بخجل:


"مع أنكِ تبيعين الورد، إلا أن الورد كله يبدو خجلًا قربك."


توقف العالم لثانية. نظرت حولها. الشارع كان شبه فارغ، والمصابيح ترتجف في الريح كأنها تحاول أن تقول شيئًا بلغة الضوء. لم تعرف من كتبها، وربما لن تعرف أبدًا. ولعل هذا ما جعل الكلمات أكثر صدقًا — فالكلمات التي لا تنتظر شكرًا أو ردًا هي الكلمات التي تُقال حقًا.


أحست بشيء غريب يصعد من صدرها، شيء يشبه الدفء، أو الدهشة، أو ربما مزيج منهما. أدركت أن الوردة التي تمنتها طوال هذه السنوات لم تكن وردة بالمعنى الحرفي. لم تكن ساقًا أخضر ولا بتلات ملونة. كانت شيئًا أبسط وأعمق في آن: اعترافًا صغيرًا بأنها مرئية. 


فالورود تذبل، والكلمات تبقى. والاعتراف بوجود الآخر — هذا الاعتراف البسيط الذي نظنه تافهًا — هو أجمل هدية يمكن أن نقدمها في عالم يمضي مسرعًا، وقد نسي أن يتوقف ليرى.


عادت إلى بيتها تلك الليلة بخفة لم تعهدها منذ زمن طويل، كأن حمولة خفية رُفعت عن كتفيها. طوت الورقة بعناية ووضعتها بين صفحات كتاب قديم، وأدركت أن جوهر الوحدة الإنسانية ليس في أن نكون وحدنا، بل في أن نكون محاطين بالناس لكننا غير موجودين في وعيهم. أن نُختزل في وظيفة، أو دور، أو صورة عابرة. 


وأدركت أيضًا أن جوهر الحب، بمعناه الأوسع، ليس في الهدايا الفاخرة أو الكلمات المنمّقة، بل في شيء أبسط بكثير: أن يراك أحد — لا كبائع، ولا كخادم، ولا كأداة — بل كإنسان له روح ترتجف، وقلب ينبض، وحاجة عميقة إلى أن يُعترف بوجوده.


في الصباح التالي، عادت إلى زاويتها كالعادة. نفس الشال الرمادي، نفس السلة، نفس الابتسامة الصغيرة. لكن شيئًا ما كان مختلفًا. ربما الطريقة التي نظرت بها إلى الورد، أو إلى المارة، أو إلى نفسها في انعكاس زجاج واجهة المحل المجاور. 


كانت لا تزال بائعة ورد. لكنها لم تعد فقط بائعة ورد.


كانت امرأة رآها أحدهم. وكان ذلك يكفي ليغيّر كل شيء، دون أن يتغير شيء.


لم تحصل على باقة فاخرة، ولا على هدية ثمينة. حصلت على جملة مكتوبة بخط رديء على ورقة ممزقة. لكن تلك الجملة فعلت ما لم تفعله كل ورود العالم: جعلتها تشعر بأنها موجودة.


وفي عالم ينسى أن يتوقف، في مدينة تعلّمنا أن نمضي دون أن ننظر، في زمن يختزلنا إلى وظائف وأرقام وصور عابرة — يكفي أن يراك أحدهم، حقًا يراك، لتعرف أنك لست شبحًا.


يكفي جملة واحدة لتعرف أنك إنسان.

دفتر المأذون بقلم الراقي كامل عبد القوي النحاس

 دفتر المأذون

من أسقط التاج ..؟؟

بقلم : م.د. كامل عبد القوى النحاس

**الفصل الرابع – 

وسقط التاج ..!!

حين انحنت الهامة ولم يسندها أحد**

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

لم يخرج الرجل من بيته في ذلك الصباح…

لم يكن فيه ما يكفيه ليواجه العالم.

وقف أمام المرآة طويلًا، يحدّق في وجهٍ لم يعد يعرفه.

ذلك الوجه الذي كان يومًا يملأ المجالس والبيوت ضحكًا وفخرًا…

أصبح الآن ظلًا باهتًا لرجل كان يحمل تاجه عاليًا، يمشي به بين الناس كرمز قوة…

حتى جاءت اللحظة التي سقط فيها التاج، وارتطم بالأرض ارتطامًا سمعه قلبه قبل أذنيه.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

المطعم… المسرح الذي احترقت عليه آخر فصول المجد


كان المطعم حلمه الأجمل، وساحة مجده التي أنهك نفسه ليصنعها من الصفر.

لم يكن مجرد مكان… كان مرآته.

أضواء لامعة، ديكور فخم، طاولات تشبه مقاعد الأمراء.

دفع مقدّمات ضخمة، وقع عقودًا طويلة بثقة فارس يعرف طريقه.

ظن أن المدينة ستفتح له ذراعيها…

لكن المدينة لم تكن حبيبة؛

كانت ساحة حرب.


وفجأة، ومع أول عاصفة، انطفأت الأضواء.

تراكمت الديون، هرب العمال، وأُغلقت الأبواب.

تحول المكان من قصر يضج بالحياة…

إلى تابوت كبير يحمل بداخله آخر أنفاس الحلم.


ووقف الرجل في منتصف المطعم الخاوي، يلامس بيده الحوائط، ينظر إلى الطاولات المتربة، وإلى كرسى الكاشير الفارغ، كأنما يودّع صديقًا عزيزًا.

كان ينادي كالمجذوب فى المكان الخاوى الذى يرد عليه الصدى…

وصدى السقوط أقوى من قدرة قلبه على الاحتمال.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الديون… أختام سوداء على رقبة مثقلة


لم يعد يوقّع أوراقًا…

بل كان يوقّع أجزاءً من روحه.

شيكات بلا رصيد، كمبيالات، فوائد تنهشه، ديون تلاحقه ليلًا ونهارًا.

كان يشعر وهو يكتب اسمه أن القلم أثقل من الجبل.

وكأن كل توقيع يهمس له:

"لم يعد فيك ما تنهض به."

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

محاولة أخيرة… قشة لا تنقذ غريقًا


بحث في الحطام عن أمل، ففتح مطعمًا صغيرًا في حارة ضيقة.

كانت خطوة تشبه محاولة إنقاذ رجل يغرق وهو يعرف أن البحر قد قرر ابتلاعه.

لكنّ الشائعات تبعته، والموارد شحت، والناس خافوا من اسمٍ صار مرتبطًا بالخسارة.

وكان كل يوم يمضي…

يعلّمه أن بعض السقوط لا تُنقذه قوة، ولا ذكاء، ولا حتى الدعاء إن تأخر وقته.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

البيت… حين ينهدم السقف على ساكنيه


زوجته الأولى، التي عاشت معه أيام القوة، لفظته، كماء جار يلفظ جيفة أسنت.

تحوّل بغضها له إلى صراع، وصراعها إلى عناد، وعنادها إلى انتقام صامت.

باعت المحلات التى اغتصبتها منه واحدًا تلو الآخر، كأنها تقطع أطرافًا من جسد واحد.

وأصبح البيت الذي كان يزهو بالرفاهية…

ساحة جروح مفتوحة.


أما الزوجة الثانية…

فقد أثقلها الزمن.

وقد روضتي قلبها على تجنب العواصف، وكانت دائما حذرة من تقبل الخسارة.

زارت الرجل فى محنته مرات قليلة… ثم اختفت، تاركةً خلفها سؤالًا مرًّا:

هل يفرّ الناس من الهزيمة كما يفرّون من المرض؟


حتى أبنائها الذين رباهم يومًا…

لم يفهموا معنى أن يسقط رجل عاش عمره قائمًا. . وضنوا عليه بأى معروف أو مساعدة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الجسد… حين يعلن الهزيمة قبل الروح


لم يعد الرجل قادرًا على خدمة نفسه.

جسده الذي حمل مشاريع وأعمالًا وأموالًا…

لم يعد يقوى على حمله هو شخصيًا.

صار يحتاج يدًا تمسكه إذا قام، وتعينه إذا دخل الحمام.

والمؤلم…

أن تلك اليد لم تكن موجودة ، لا زوجة، ولا ابن، ولا قريب.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الدائنون… طرقات تشبه الطعنات


كانوا يطرقون الباب كل يوم…

طرقًا لا يشبه السؤال، بل يشبه الإنذار.

البعض يصرخ، البعض يهدد، البعض يذكّر، والبعض يرحم على استحياء.

لكنه كان يعرف أن الرحمة في عالم المال قليلة…

وأن الديون لا تغفر السقطات.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

ومضة نور… في آخر الممر


وفي اللحظة التي بدا فيها كل شيء مظلمًا…

أرسل الله رجلًا صالحًا، لا يعرفه القارئ لكن يعرفه القدر.

مدّ يده، وشفع له، وأخذه إلى شقة ابنه، ليجد هناك ما تبقّى من كرامة وستر.

كان الأمر بسيطًا…

لكنه بالنسبة للرجل كان إنقاذًا لحياة كاملة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

ويُغلق الستار… ليبدأ السؤال الأكبر


هكذا سقط التاج…

لم يسقط دفعة واحدة، بل سقط قطعةً قطعة…

كل خذلان كان يكسر ضلعًا منه،

كل دين كان يطيح بجانب،

كل خيانة كانت تُسقط حجرًا جديدًا،

حتى وجده الرجل يومًا على الأرض…

مكسورًا بلا مجد، وبلا رأس يحمله.


وهنا يبدأ الفصل القادم والأخير، الفصل الأخطر:

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

الفصل الخامس – من أسقط التاج؟


ليس سؤالًا عن الماضي…

بل سؤالًا عن الحقيقة:

هل أسقطه سوء التقدير؟

أم خ

ذلان البيت؟

أم قسوة السوق؟

أم أن التاج نفسه كان هشًا منذ البداية؟

ترقبوا.. فضلا لا أمرا


   م.د. #كامل_النحاس