الجمعة، 1 مايو 2026

حورية البحر بقلم الراقي أحمد عبيدات

 حورية… البحر

نقول اسمها

فنسمع في داخلنا

موجًا خفيفًا

يضرب شاطئ الطفولة…

كنا صغارًا

نشدّ خطانا نحو بيت خالي وعمتي

لا لأن الطريق قصير

ولا لأن الزيارة واجب

بل لأن حورية هناك…

هناك

تقف مثل أغنيةٍ لا تنتهي

ومثل نافذةٍ مفتوحة على بحرٍ بعيد.

كنا نراها

فنصمت

لا خوفًا

بل احترامًا لذلك الجمال

الذي لا يُفسَّر…

كانت جميلة…

جميلة كأنها لم تُخلق من تراب

بل من ماءٍ وضياء

كأنها حورية بحر

ضاعت من موجتها

فجاءت لتسكن بيننا.

أمها وأبوها…

ملامحهما كانت تقول

إن الجمال قد مرّ من هنا

واستقر فيها.

نعود من الزيارة

ونحملها معنا

في ضحكاتنا

وفي أحاديثنا

وفي صمتنا الطويل قبل النوم…

نحب المكان

لأنها فيه

ونحب الطريق

لأنه يمرّ بها

ونحب الزمن

لأنه يمنحنا لحظةً نراها فيها.

لكن الزمن…

ذلك الرفيق الذي لا يبقى

مضى.

كبرنا…

وكبرت حورية.

تزوجت…

كما تتزوج الأغاني حين تتعب من الحلم

وأنجبت أطفالًا

وصارت تمشي بثوب الحياة

تغزل أيامها

وتخيط تعبها بالصبر.

ثم…

جاء المرض.

لم يطرق الباب

لم يعلن عن نفسه

دخل بهدوء

وجلس في ذاكرتها.

بدأت تنسى…

تنسى الطرق

تنسى الوجوه

تنسى حتى نفسها.

رأيتها…

تمشي

لا تعرف أين تمضي

ولا لماذا.

خطواتها كانت تسأل الأرض

وعيناها تسألان السماء

لكن لا جواب.

كانت تمشي

والزمن يمشي بها

إلى مكانٍ لا نراه.

حورية…

لم تعد تلك التي نعرفها

صارت ذكرى

تمشي على قدمين.

ثم سمعتُ…

أنها رحلت.

بهدوء

كما جاءت

وكما أحببناها.

رحلت

وتركت فينا

طفولةً لا تعود

وصورةً لا تبهت

ووجعًا صغيرًا

كلما نطقنا اسمها…

حورية.

كأن البحر

أعادها إليه أخيرًا

وترك لنا

صوت الموج

حين يهمس باسمها…

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .